يشكل الاقتصاد شريان الاستقرار لدى جميع الدول والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة من أهم الموضوعات في فهم إدارة الدولة وتحديد مساراتها الداخلية والخارجية إذ يؤكد الكثير من الخبراء الاقتصاديين أن القرارات السياسية غالباً ما تنبثق من المصالح الاقتصادية ولذلك يمكن القول إن السياسة والاقتصاد يرتبطان بشكل وثيق حتى يكاد كل منهما يعكس صورة الآخر وأن السياسات الحكومية والقوانين والتشريعات ترتبط ارتباطاً مباشراً بالوضع الاقتصادي للدولة لأن من يسيطر على الاقتصاد يمتلك قدرة واسعة على التأثير في القرار السياسي وصناعة النفوذ وتوجيه الدولة بما يحقق مصالحه وأهدافه.
فالسياسة في جوهرها ليست مجرد خطابات وشعارات وانتخابات بل هي عملية إدارة للمصالح والثروات والموارد ولهذا تتخذ الحكومات القوانين واللوائح لتنظيم الاقتصاد والتحكم بحركة الأموال وتوزيع الموارد بما يتلاءم مع توجهاتها السياسية سواء عبر تقليل نسب البطالة أو دعم قطاعات معينة أو تحفيز الصناعات الوطنية أو حتى فرض الضرائب والعقوبات الاقتصادية لتحقيق أهداف أبعد من الجانب المالي نفسه. كما أن الموازنات العامة لا تعبر فقط عن أرقام حسابية بل تكشف أولويات الدولة السياسية لأن حجم الإنفاق على التعليم أو الصحة أو البنى التحتية أو الدفاع يعكس طبيعة الفكر الحاكم واتجاهاته.
أما على المستوى الدولي فإن الاقتصاد أصبح السلاح الأكثر فاعلية في العصر الحديث ولم تعد الحروب تعتمد فقط على الدبابات والصواريخ بل باتت الأسواق والطاقة والعملات والموانئ والمضائق أدوات ضغط وتحكم أشد خطورة من القوة العسكرية أحياناً ولعل الصين تمثل نموذجاً واضحاً لدولة فهمت هذه المعادلة مبكراً حين ربطت مشروعها السياسي بنهضة اقتصادية ضخمة وسيطرت على قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والطاقة والصناعة والتجارة العالمية وفرضت قوانين دقيقة على الاستثمار الأجنبي لضمان بقاء القرار الاقتصادي خاضعاً للمصلحة الوطنية لا لرغبات الشركات العابرة للقارات.
وفي المقابل نجد أن الدول الضعيفة اقتصادياً تصبح أكثر عرضة للابتزاز السياسي والتدخل الخارجي لأنها تفقد القدرة على اتخاذ قرارها بحرية وتتحول إلى ساحة نفوذ للدول الكبرى والمؤسسات المالية الدولية فالدولة التي تستورد غذاءها ودواءها وسلاحها وحتى طاقتها لا يمكن أن تمتلك استقلالاً سياسياً حقيقياً مهما رفعت من شعارات السيادة لأن القرار السياسي في نهاية المطاف يحتاج إلى قاعدة اقتصادية تحميه وتمنحه القدرة على الصمود.
إن أخطر ما تواجهه بعض الدول النامية اليوم هو ارتهان القرار السياسي للفساد والاقتصاد الريعي حيث تتحول الثروات الوطنية إلى أدوات بيد الأحزاب والمتنفذين ويتم استخدام المال العام لشراء الولاءات السياسية وتمويل الحملات الانتخابية وتوسيع شبكات النفوذ بدلاً من بناء اقتصاد منتج ومستدام. وهنا تتشوه العلاقة الطبيعية بين السياسة والاقتصاد لأن الدولة لا تعود تعمل لخدمة المجتمع بل تتحول إلى مشروع تقاسم للمغانم بين القوى المتصارعة.
ومن خلال ما تقدم يتضح أن السياسة لا يمكن فصلها عن الاقتصاد بأي حال من الأحوال فالقرارات السياسية تتدفق غالباً من مصالح اقتصادية بينما تنعكس تلك القرارات بشكل مباشر على الواقع المعيشي والاستقرار الاجتماعي وحتى على الأمن الوطني. ولهذا فإن فهم السياسة دون إدراك البعد الاقتصادي يجعل الصورة ناقصة ومضللة لأن كل تحرك سياسي يحمل خلفه حسابات مالية وتجارية واستراتيجية عميقة.
وقد أصبح الاقتصاد في العصر الحديث أداة للحروب الباردة والعقوبات والحصار والضغط الدولي فالدول الكبرى لم تعد تحتاج دائماً إلى احتلال الجيوش لكي تفرض إرادتها بل يكفي أحياناً التحكم بأسعار الطاقة أو فرض العقوبات المصرفية أو تعطيل خطوط التجارة العالمية لإرباك خصومها وإجبارهم على تقديم التنازلات. وما التلويح الإيراني بورقة مضيق هرمز إلا مثال واضح على ذلك إذ إن مجرد الحديث عن إغلاق المضيق كان كفيلاً بإثارة القلق العالمي ورفع أسعار النفط وإرباك الأسواق الدولية لأن الاقتصاد العالمي بأكمله بات مترابطاً بصورة تجعل أي أزمة جيوسياسية قادرة على إحداث اضطرابات واسعة.
كما أن الصراع بين القوى الكبرى اليوم لم يعد صراع حدود فقط بل صراع على الموانئ والموارد والطاقة وسلاسل التوريد والتفوق التكنولوجي لأن من يمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي يمتلك القدرة على صياغة النظام الدولي وفرض شروطه السياسية. ولهذا نشهد سباقاً محموماً بين الدول الكبرى للسيطرة على الممرات البحرية والأسواق الاستراتيجية ومصادر الطاقة والمعادن النادرة لأنها تدرك أن الاقتصاد هو العمود الفقري للقوة الحديثة.
وفي الختام تؤكد لنا الأحداث أن الاقتصاد لم يعد مجرد قطاع إداري داخل الدولة بل أصبح روح السياسة ومحركها الخفي وسورها الحصين الذي تستند إليه في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فلا سياسة قوية بلا اقتصاد متين ولا سيادة حقيقية بلا استقلال اقتصادي ولا دولة قادرة على حماية قرارها ما دامت عاجزة عن حماية مواردها وثرواتها. ومن هنا فإن بناء الاقتصاد الوطني المنتج لم يعد خياراً تنموياً فقط بل ضرورة وجودية لحماية الدولة والمجتمع وضمان الاستقرار والسيادة في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك القوة الاقتصادية القادرة على فرض الاحترام وصناعة القرار .
