البطالة وتفكك البنية الأسرية في العراق

البطالة وتفكك البنية الأسرية في العراق
تفاقم البطالة في العراق يهدد تماسك الأسرة ويؤجل الزواج ويزيد الطلاق والهجرة والانحراف، مع اتساع الفساد والمحسوبية وضعف سوق العمل، ما يستدعي إصلاحًا اقتصاديًا جذريًا يرسخ الكفاءة ويدعم الإنتاج والقطاع الخاص. ...

تعد البطالة في العراق مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة يمكن احتواؤها ضمن مؤشرات رقمية أو تقارير دورية بل تحولت إلى قوة هدم اجتماعي عميقة تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية من جذورها إنها أزمة تتجاوز حدود العمل والدخل لتطال بنية المجتمع ذاته وتفرض واقعًا قاسيًا على الأفراد لا سيما فئة الشباب.

تتجلى هذه الأزمة بوضوح في الارتفاع اللافت لمعدلات البطالة بين فئتي العزاب والمنفصلين وهو ارتفاع لا يرتبط بضعف الكفاءة أو قلة المؤهلات بقدر ما يعكس خللًا بنيويًا في سوق عمل مشلول يلفظ الداخلين الجدد إليه بلا رحمة وفي ظل هذا الواقع لم يعد الزواج خطوة طبيعية في مسار الحياة بل تحول إلى مشروع مؤجل ومهدد في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وهكذا لا تؤجل البطالة الزواج فحسب بل تفرغه من مضمونه وتحوله إلى عبء مؤجل في حسابات الشباب.

أما على مستوى العلاقات الأسرية فإن تأثير البطالة يبدو أكثر قسوة ووضوحًا فارتفاع معدلاتها بين المطلقين مقارنة بالمتزوجين لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مؤشر إحصائي بل هو انعكاس مباشر لدور البطالة في تقويض استقرار الأسرة إذ حين يحرم الفرد من مصدر رزقه لا يفقد دخله فقط بل تتآكل قدرته على تحمل أعباء الحياة وتتزعزع مكانته داخل الأسرة لتبدأ العلاقات بالتفكك تحت ضغط العجز وخيبة الأمل وفي كثير من الحالات تتحول الضغوط الاقتصادية إلى الشرارة الأولى لانهيار الحياة الزوجية.

في المقابل يظهر المتزوجون قدرة أكبر على البقاء ضمن سوق العمل لا لأن الفرص متاحة لهم بصورة أفضل بل لأنهم مدفوعون بمنطق الضرورة فالمسؤوليات الأسرية خصوصًا في ظل وجود أطفال تدفعهم إلى التشبث بأي فرصة عمل مهما كانت قاسية أو مهينة أو غير عادلة ليس بحثًا عن الاستقرار بقدر ما هو سعي للبقاء إنهم يعملون تحت ضغط الحاجة لا في ظل بيئة عمل تحفظ الكرامة أو تضمن العدالة.

ولم تعد البطالة في العراق تعني مجرد غياب الوظيفة بل أصبحت حالة إذلال يومية يعيشها الشاب العراقي وهو يرى سنوات الدراسة تتهاوى أمام أبواب مغلقة وعلاقات حزبية ومحسوبيات تبتلع كل فرصة عادلة فالكفاءة لم تعد الطريق إلى العمل بل بات الانتماء السياسي والولاء الحزبي والواسطة هي المفاتيح الحقيقية للرزق أما الشباب الذين لا يملكون ظهرًا سياسيًا أو سندًا نافذًا فيتركون لمواجهة الفراغ والخذلان وكأن الوطن يعاقبهم على نزاهتهم وصبرهم.

إن أخطر ما تفعله البطالة ليس إفقار الجيوب فقط بل تحطيم النفوس وإنتاج جيل يشعر بأنه فائض عن الحاجة داخل بلده جيل يرى أن أحلامه تؤجل كل يوم وأن مستقبله يسرق أمام عينيه من قبل طبقة سياسية غرقت في الامتيازات وتركت ملايين الشباب يتآكلون في طوابير الانتظار. ولهذا لم تعد الهجرة بالنسبة لكثير من الشباب مجرد رغبة بالسفر بل أصبحت محاولة للهروب من واقع خانق يقتل الطموح ببطء ويدفع الإنسان إلى الشعور بالعجز والدونية داخل وطنه.

كما أسهمت البطالة في تفشي ظواهر اجتماعية خطيرة كارتفاع معدلات الجريمة وتعاطي المخدرات والعنف الأسري والانتحار لأن الإنسان حين يفقد الأمل بالعيش الكريم يصبح أكثر عرضة للانهيار والانجراف نحو الطرق المظلمة فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة بل تنهار حين يشعر شبابها أن لا قيمة لجهدهم ولا مكان لأحلامهم.

إن معالجة البطالة في العراق لا يمكن أن تتم عبر برامج ترقيعية أو وعود سياسية مستهلكة تطلق في مواسم الانتخابات ثم تختفي بعد انتهاء الضجيج بل تتطلب صدمة إصلاح حقيقية تبدأ من تفكيك اقتصاد الريع ومحاسبة منظومة الفساد وإعادة بناء سوق عمل قائم على الكفاءة لا الانتماء والمحاصصة مع دعم حقيقي للقطاع الخاص وتشجيع الاستثمار والإنتاج بدل الاستمرار بسياسات الاستهلاك والاعتماد الكامل على النفط.

ودون ذلك ستبقى البطالة أداة خفية لإعادة تشكيل المجتمع نحو مزيد من الهشاشة والتفكك وسيبقى الشباب العراقي عالقًا بين قسوة الواقع وخيانة الوعود فيما يستمر نزيف الطاقات والكفاءات إلى خارج الوطن تاركًا خلفه مجتمعًا مثقلًا بالإحباط والتعب والخسارات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *