منذ اللحظة التي بدأ فيها الحديث حول احتمال تولّي ياسر المالكي حقيبة وزارة الداخلية، انطلقت حملة سياسية وإعلامية واسعة ضده، حملت في كثير من جوانبها طابعاً يتجاوز النقاش المهني أو الإداري، ليتحول الأمر إلى هجوم سياسي منظم بأدوات إعلامية رخيصة تقوده جهات معروفة بموقفها التقليدي المعادي للمالكي.
واللافت أن القوى نفسها التي وقفت سابقاً ضد ترشيح السيد نوري المالكي، تعود اليوم لتقف بالاتجاه ذاته ضد ياسر المالكي، وكأن المسألة لم تعد مرتبطة بالأشخاص بقدر ما أصبحت مرتبطة بعداء سياسي وشخصي يتم توظيفه اعلامياً ضد هذه العائلة المعروفة بحضورها السياسي وتأثيرها داخل الدولة العراقية.
ويبدو واضحاً أن بعض خصوم أسرة المالكي لا ينظرون بارتياح إلى أي شخصية من هذه العائلة تتقلد موقعاً متقدماً داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً في الوزارات السيادية والأمنية، لأن وجود شخصيات حازمة وقوية في مواقع القرار يثير قلق جهات متهمة أصلاً بالفساد أو بالمخالفات القانونية أو بالاستفادة من ضعف الدولة وغياب الانضباط داخل المؤسسات.
هل حقيبة وزارة الداخلية عسكرية فقط؟
أحد أبرز محاور الهجوم على ياسر المالكي يتمثل في محاولة تصوير وزارة الداخلية وكأنها منصب عسكري صرف لا يجوز أن يتولاه إلا ضابط محترف تدرج داخل المؤسسة الأمنية لعقود طويلة. لكن هذا الطرح يتناقض مع طبيعة الوزارة نفسها، ويتعارض أيضاً مع التجربة العراقية بعد 2003.
فوزارة الداخلية ليست وحدة قتالية مغلقة، بل مؤسسة سيادية سياسية أمنية ضخمة، تضم آلاف الضباط والخبراء والمديريات المتخصصة. لكل مفصل فيها كوادره الفنية والمهنية، بينما يبقى دور الوزير قائماً على الإدارة العليا، ورسم السياسات، والإشراف على الأداء، والتنسيق بين المؤسسات، واتخاذ القرار في اللحظات الحساسة.
ولهذا السبب، فإن أغلب دول العالم لا تشترط أن يكون وزير الداخلية قائداً عسكرياً محترفاً، لأن القضية لا تتعلق بإدارة الواجبات الميدانية اليومية، بل بامتلاك القدرة على قيادة المؤسسة سياسياً وأمنياً وإدارياً.
التجربة العراقية نفسها تنفي هذا الادعاء
إذا عدنا إلى تاريخ وزراء الداخلية العراقيين بعد 2003، سنجد أن عدداً محدوداً فقط امتلك خلفية عسكرية واضحة، فيما جاء معظم الوزراء من خلفيات سياسية أو تنظيمية مختلفة.
فـ فلاح حسن النقيب وعثمان الغانمي وعبد الأمير الشمري كانوا من أصحاب الخلفيات العسكرية النظامية الواضحة.
لكن في المقابل، فإن شخصيات عديدة تسلّمت وزارة الداخلية رغم أنها لم تكن من خلفيات عسكرية، مثل سمير الصميدعي من خلفية دبلوماسية سياسية، وقاسم الأعرجي ومحمد الغبان اللذين امتلكا خلفيات سياسية ـ أكثر من كونهم عسكريين.
أما باقر جبر الزبيدي لم يكن ضابطاً من المؤسسة العسكرية النظامية، بل شخصية سياسية، وكذلك جواد البولاني الذي لم يمتلك أي خبرة أمنية ولم يكون ضابطاً أو قائداً عسكرياً تقليدياً.
وهذا يؤكد بوضوح أن وزارة الداخلية في العراق كانت دائماً حقيبة سياسية ـ سيادية أكثر من كونها منصباً تقنياً مغلقاً على العسكريين فقط.
الحزم… جوهر المشكلة الحقيقية
الحقيقة أن جوهر الاعتراض على ياسر المالكي لا يتعلق بالخلفية العسكرية بقدر ما يتعلق بطبيعة شخصيته. فالكثير من خصومه يرون فيه امتداداً لنهج نوري المالكي من حيث الحزم وقوة القرار وعدم تقديم التنازلات بسهولة. وهي الصفات نفسها التي جعلت خصوم نوري المالكي يهاجمونه لسنوات طويلة. فالدول التي تمر بمراحل حساسة لا تحتاج إلى شخصيات مترددة أو رمادية، بل إلى قيادات تمتلك الجرأة على اتخاذ القرار، والقدرة على فرض الانضباط، وعدم الخضوع للضغوط السياسية أو المجاملات.
ولهذا، فإن الهجوم على ياسر المالكي يبدو بالنسبة لكثيرين أقرب إلى محاولة استباقية لمنع صعود شخصية شابة قد تمتلك القدرة على إعادة هيبة الدولة داخل المؤسسات، خصوصاً أن بعض الجهات التي تهاجمه اليوم تخشى أصلاً أي مشروع يعيد الانضباط الحقيقي إلى مؤسسات الدولة، بسبب ارتباط مصالحها بحالة الفوضى أو ضعف الرقابة أو غياب الحزم الإداري.
الدولة تحتاج رجال قرار لا مجرد عناوين وظيفية
العراق اليوم لا يعاني من نقص في الضباط أو الكفاءات الفنية داخل وزارة الداخلية، بل يعاني أحياناً من أزمة إدارة وقرار وهيبة قانون. ولذلك فإن معيار النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الخلفية العسكرية، بل في القدرة على إدارة المؤسسة وحماية القانون والتعامل مع الملفات الحساسة بثبات ومسؤولية.
ومن هنا، فإن طرح اسم ياسر المالكي لا يُقرأ باعتباره مجرد ترشيح سياسي عابر، بل باعتباره رهانًا على شخصية شابة تمتلك الحضور السياسي، وقوة الشخصية، والقدرة على المتابعة، والحزم في اتخاذ القرار.
وفي ظل واقع إقليمي وداخلي شديد التعقيد، تبدو الدولة العراقية بحاجة إلى شخصيات تمتلك عقلية إدارة الدولة لا عقلية التردد، لأن استعادة هيبة المؤسسات لا تتحقق بالشعارات، بل برجالقرار قادرين على حماية القانون وفرض الانضباط وإعادة الثقة بمؤسسات الدولة.


