الصخرة التي تتحطّم عليها عواصف الإستكبار

الصخرة التي تتحطّم عليها عواصف الإستكبار
يرسم النص صورة الشهيد كرمز للكرامة والعزة والوطنية، ويؤكد أن تضحياته تمنح الأمة معنى البقاء والثبات، فهو مصدر الإلهام والأمل الذي يبقي القيم حية، ومرآة تذكّر الجميع بعظمة التضحية لأجل الوطن والحرية....

في زمنٍ تتلاطم فيه الأمواج وتضيع فيه البوصلة، يبقى الشهيدُ هو الجبل الثابتُ الذي لا ينحني، والصخرةُ التي تتحطّم عليها كلُّ رياح الذلّ والانكسار. ليس الشهيد مجرّد اسمٍ يُذكر في نشرةٍ أو سطرٍ في أرشيف، بل هو النبضُ الذي لا يهدأ، هو الذاكرةُ التي لا تُدفن، هو الوجهُ الذي كلّما غاب حضر، وكلّما ابتعد اقترب، وكلّما ارتقى أضاء أكثر ممّا كان على الأرض.

إنّ لولا الشهيد، ولولا صموده وثباته، لما كان للكرامة ظلٌّ نلوذ به في عزّ العواصف، ولا كان للأرض معنى يتجاوز حدود التراب. هو الذي أمسك المعركة من عنقها، ووقف أمام العاصفة بثبات الحجارة الأولى التي بُنيت عليها البيوتُ والأوطان. قدّم عرقه حين كان الناس نيامًا، وقدّم جهده حين كان الخوف سيّد الموقف، وقدّم دمه حين كانت الأرضُ عطشى للحرية. وكلُّ ما أعطاه لم يكن يومًا تجارةً، بل كان نذرًا، وكان عهدًا، وكان يقينًا بأنّ الحياة التي لا تليق بكرامة الإنسان ليست حياة.

الشهيد هو الذي فهم سرَّ الأرض قبل أن نعرفه نحن. أدرك أن الوطن ليس خارطةً مرسومةً بحبرٍ باهت، بل هو جسدٌ نابضٌ بالناس، بالأطفال، بالأمّ التي تنتظر، وبالشيخ الذي لا يريد أن يموت غريبًا. حمل الوطن على كتفيه كما تُحمل الأمانة، ورفعه فوق رأسه كما تُرفع الرايات، وسار به إلى حيث لا خوف ولا إذلال.

ولأجل ذلك، كان الشهيدُ فضيلةَ الأمة. لم يكن بطلاً أسطورياً من زمن الحكايات، بل كان المعنى الحقيقي للأسطورة نفسها: الإنسان الذي تحوّل بوعيه وإيمانه وصبره إلى ما يشبه الضوء، وإلى ما يشبه الحقيقة. لأنّ الحقيقة حين تتجسّد تكون شبيهةً به: صافيةً، قاسيةً، جميلةً، ولا تُشترى.

الشهيد لا يترك أثراً واحداً، بل يترك ألفَ أثر. يترك في الأرض بصمةً تخضرّ حولها التربة، وفي السماء خطاً من نور، وفي الذاكرة ناراً لا تنطفئ. يترك في كلّ بيتٍ نبضةَ فخر، وفي كلّ قلبٍ درساً، وفي كلّ طفلٍ طريقاً يسير عليه دون أن يتوه. هو الذي يرفع رأس أمّته عندما يثقلها الانكسار، وهو الذي يذكّرها بأن الأمم لا تُقاس بعدد ما تملك، بل بعدد من ارتقى لأجلها.

لقد وهب الشهيد روحه كي نعيش نحن بكرامةٍ وأمانٍ وعزّةٍ وشموخ. وهبها عن طيب خاطر، كأنّه يعرف أنّ الكرامة تحتاج من يدفع ثمنها، وأنّ الحرية لا تُسلّم لمن ينتظرها جالساً. وبذلك صار الشهيد مرآةً لنا: كلّما نظرنا فيها، رأينا أنفسنا أجمل ممّا نكون، وأقوى ممّا نظنّ، وأقدر على أن نصمد كما صمد، وأن نثبت كما ثبت.

الشهيد هو فصلنا الملحمي الذي يتجدّد، والقصيدة التي تُتلى دون أن تهرم، والصخرة التي تتحطّم عليها كلّ يدٍ تريد لهذا الوطن أن ينكسر. وفي حضرته، لا نقف حدادًا، بل نقف استكمالًا لما بدأه… لأنّ من يهب روحه كي نحيا، لا يريد لنا إلا أن نحيا كما يليق بدمه: أعزّةً، شامخين، ثابتين، كالصخرة التي لا تنكسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *