لماذا يقاتل شباب العراق في حرب اوكرانيا بحث في دوافع الجيل الضائع والتداعيات

لماذا يقاتل شباب العراق في حرب اوكرانيا بحث في دوافع الجيل الضائع والتداعيات
تبحث الدراسة في دوافع انخراط شباب عراقيين في حرب أوكرانيا، مبيّنة تداخل اليأس الاقتصادي مع وعود مالية وجنسية مضللة، ودور شبكات التجنيد الرقمية والوسطاء، وتؤكد أن الظاهرة نتاج إخفاقات داخلية واستغلال خارجي، لا مجرد نزعة مرتزقة...

المقدمه :

تشهد ساحات القتال في أوكرانيا منذ عام 2022 ظاهرة مؤثرة تتجاوز النزاع المباشر بين موسكو وكييف وظهور مقاتلين عراقيين ضمن صفوف كلا الجيشين. فهؤلاء الشباب، الذين نشأوا في خضم الحروب والاضطرابات المتلاحقة في وطنهم، يُجَذَّبون الآن إلى حرب أوروبية عنيفة، مدفوعين بمزيج من اليأس الاقتصادي والوعود الخادعة. يتتبع هذا البحث المسارات التي تؤدي بهم إلى هناك، والآليات المستخدمة لتجنيدهم، والتداعيات الإنسانية والقانونية لهذه الظاهرة المعقدة.

  1. الدوافع: اليأس الاقتصادي مقابل الوعود البراقة

تقف الظروف الاقتصادية المتردية في العراق، حيث يعاني ثلث الشباب من البطالة، خلف القرار المحفوف بالمخاطر الذي يتخذه هؤلاء الشباب. في مواجهة هذا الواقع، تظهر عروض التجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي كمخرج مالي سريع، حيث تقدم ما يلي:

ا-حوافز مالية فلكية: يصل الراتب الشهري الموعود إلى 2,800 دولار، أي ما يقارب أربعة أضعاف ما قد يكسبه المجند في الجيش العراقي، مع مكافأة توقيع تصل إلى 20,000 دولار.

ب-وعد بالجنسية والأمان: يتم الترويج للحصول على الجنسية الروسية والتأمين والمعاش التقاعدي كجزء من “الصفقة”.

ج -مقارنة مع الجانب الأوكراني: في المقابل، لا تشير الأدلة إلى حملات تجنيد نشطة للعراقيين من قبل أوكرانيا. فالأعداد التي تقاتل هناك محدودة جداً، وإن وجدت، ويتلقون الراتب القياسي للجيش الأوكراني فقط (حوالي 2,900 دولار شهرياً للمتطوعين في فئة 18-24 عاماً، وهي حملة تستهدف مواطنيها).

  1. الآليات: شبكات “التواصل الاجتماعي” والوسطاء

يتم استهداف الشباب العراقي بفعالية عبر المنصات الرقمية، وأبرزها تيك توك وتليغرام. تنقسم آلية العمل إلى:

ا-الدعاية والإعلان: ينشر “مؤثرون” عراقيون بالفعل في صفوف الجيش الروسي مقاطع فيديو لتجربتهم، يروجون للفوائد المالية ويقدمون أنفسهم كنماذج ناجحة.

ب -خدمات لوجستية كاملة: تقدم بعض القنوات على تليغرام خدمات شاملة تشمل الحصول على تأشيرة (رغم أن تكلفتها الحقيقية حوالي 140 دولاراً، إلا أن الوسطاء قد يفرضون ما يصل إلى 1,000 دولار)، وشراء التذكرة، وحتى تدريب على مصطلحات عسكرية روسية أساسية .

ج -شبكات غير رسمية: هناك شكوك حول دور “شبكات مرتزقة” أو “وسطاء استغلاليين” في هذه العملية، حيث يشير تحليل إلى احتمال تواطؤ فصائل مسلحة عراقية أو أفراد متنفذين في تسهيل هذه العمليات التي توصف أحياناً بـ”الاتجار بالبشر”.

  1. الأرقام والتقديرات

يعد تقدير العدد الدقيق للمقاتلين العراقيين في أوكرانيا أمراً صعباً وتحيط به تضارب المعلومات السياسية:

ا-التقديرات الروسية: ينفي السفير الروسي في بغداد وجود أعداد كبيرة، ويشكك في بلوغها “المئات”، معترفاً بشكل عام بوجود عراقيين ومصرّحاً بمقتل 4 أو 5 منهم.

ب-التقديرات الأوكرانية والصحفية: تصر أوكرانيا على أنها لا تجند عراقيين. بينما تتحدث بعض التقارير الإعلامية عن وجود آلاف من العراقيين في صفوف القوات الروسية (تتراوح التقديرات بين 3,000 و 5,000)، مع وجود عدد أقل (حوالي 2,000) قد يقاتلون إلى جانب أوكرانيا، غالباً من الحاصلين على الجنسية أو كلاجئين سابقين.

  1. الرد الرسمي العراقي والقوانين

تتحرك الحكومة العراقية لمواجهة الظاهرة من منطلق حماية السيادة والمواطنين. تشمل الإجراءات:

ا- التجريم القانوني: ينص قانون العقوبات العراقي على عقوبة السجن لكل من يلتحق بالقوات المسلحة لدولة أخرى دون موافقة الحكومة العراقية.

ب-إجراءات قضائية رادعة: في ايلول سبتمبر 2025، حكمت محكمة في النجف بسجن مدى الحياة على مواطن بتهمة “الاتجار بالبشر” لتجنيده عراقيين وإرسالهم للقتال مع روسيا في أوكرانيا.

ج-تشكيل لجنة رفيعة المستوى: شكل رئيس الوزراء لجنة خاصة برئاسة مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي لوضع آليات شاملة للحد من هذه الظاهرة.

الخاتمة:

ظاهرة قتال الشباب العراقيين في أوكرانيا ليست مجرد قصة “مرتزقة” أو مغامرين. إنها نتاج مركب لليأس المحلي واستغلال الحروب العالمية. فهي تعكس فشلاً داخلياً في توفير مستقبل آمن للشباب، واستعداد قوى خارجية لاستغلال هذا الضعف لتعويض خسائرها البشرية في ساحة قتال بعيدة. بينما تعمل الحكومة العراقية على سد المنافذ القانونية وملاحقة الوسطاء، تبقى الحلول الجذرية رهينة بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بشاب إلى المخاطرة بحياته في حرب ليست حربه، بحثاً عن كرامة وفرصة حرم منها في وطنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *