كثيرة هي تلك المنابع التي ترتوي منها النفس حينما تطا قدماك تلك الاماكن فتلفحك نسمة منعشة من سير القديسيين وكانك تسير على خطاهم وتعيش احاسيسهم ومشاعرهم في تلك البقعة المرتفعة التي كانها تلامس سحب السماء في مشهدية رائعة تلك المشاعر والاحاسيس التي تطرق قلبك وفكرك وانت تزور على سبيل المثال في مستهل زياراتك للاديرة والحواضر الدينية في لبنان ضريح القديسة رفقا الواقع ضمن دير مار يوسف في جربتا في قضاء البترون في شمال لبنان والضريح يقع في دير مار يوسف ويضيف الدليل بانه لولا الاشارات المرورية التي توجه الزائر وتقوده لما خطر بباله ان يكون هناك في اسفل الجبل دير على اسم القديس يوسف قائم في واد ممتد في خراج ضيعة بترونية شمال لبنان تدعى جربتا ويعود تاريخ تاسيس الدير الى عام 1897 فوق قطعة ارض اوقفها الخوري يوحنا بصبوص المعادي على الرهبانية اللبنانية المارونية حينما كانت منطقة البترون تفتقر في تلك الفترة الى دير للراهبات اللبنانيات المارونيات حيث انتقلت القديسة رفقا برفقة خمس راهبات للدير المذكور في خريف العام 1897 لتكون هي احد مؤسساته وقد اعلن البابا يوحنا بولس الثاني القديسة رفقا طوباوية وذلك في خريف عام 1985 بحيث شكل الاعلان نقطة ابراز المزار الذي اضحى وطنيا ومن ثم عالميا يؤمه المصلون والزائرون بالالاف وفي عام 2001 اعلنت القديسة رفقا قديسة وفي كل ثنايا المزار تقف بصمت تتامل لروعة التماثيل والنصب التي يزخر بها ففي مذبح الكنيسة الذي ينتصب على الاناجيل الاربعة المجسمة بشكل كبير ..
بينما تبرز كتابة بالسريانية على الحافة المستطيلة للمذبح تذكر بانه على مذبحك يارب نستذكر ابائنا وتترتب الاناجيل بحسب الترتيب الموضوع في الانجيل بحيث يستقر في الاسفل انجيل متى ومن ثم انجيل مرقس والتالي انجيل لوقا وانجيل يوحنا وفي زاوية ملحقة بالكنيسة تجد عدة اناجيل وكتب صلوات والذي يلفتك المخطوطات المكتوبة بالسريانية فضلا عن تلك المكتوبة بالكرشونية كما تجد في المعروضات وثيقة عن تشييد دير مار يوسف مختومة بثلاث اختام وهي اقرار بتشييد دير مار يوسف الضهر الكائن بخراج قرية جربتا من معاملة جبيل والبترون لسكن الراهبات المنضويات تحت قانون رهبنايات البلدية وبيان كيفية تشييد هذه الدير وهنالك ثمة لوحة تعريفية مكتوبة بالعربية والفرنسية توثق لتلك الوثيقة حيث تقول بكون الوثيقة اعلاه هي قرار بنقل ست راهبات وتاسيس دير مار يوسف في جربتا وهنالك صورة مجاورة للوثيقة تبين الراهبات مؤسسات الدير سنة 1904 وهي من تصوير الاخ نعمة الله سرور من معاد وهنالك في واجهة زجاجية اخرى بضعة كتب ومخطوطات اضافة للوحة تظهر اثنانسيوس الكبير وهي من عمل الام مريم الخوري خليل اضافة لواجهة اخرى حفظت فيها اواني ومستلزمات القداس كبيت القربان واواني الغسل والتبريك ومباخر وايقونات قديمة للعائلة المقدسة كما تبهرك النصب ومنها نصب يمثل شفاء رئيسة الدير في عام 1913 واللافت في رواق اخر من ملحقات الدير انك تجد رحى مطحنة اضافة لمستلزمات حراثة الارض الى جانب عربات متحركة للمرضى ويعتقد انها لمرضى مقعدين تركوها بعد ان شفوا تماما من تراب القديسة رفقا وله حكاية يتوجب ان تروى ففي قبرها القديم حيث دفنت بعد انتقالها للسماء في 24 اذار من العام 1914 بقيت رفاتها في هذا المكان المقدس حتى 10 تموز 1927 حيث نقلت الى القبر الثاني داخل كنيسة الضريح بعد ان قدمت الرهبانية المارونية دعوى تطويبها وتقديسها سنة 1925 ومن القبر الاول شعت الانوار في الليلة الثالثة لدفنها على امتداد ثلاث ليال حينما راى تلك الانوار كثيرون واكدوا بان الراهبة رفقا كانت قديسة وبتراب القبر شفي كثيرين ومن بينهم الام الرئيسة اورسلا ضوميط وفي كل يوم يحمل زوار الدير حبات من تراب قبر رفقا الاول زادا وعلاجا يغنيهم عن الادوية والاطباء .
في المكتبة الخاص بتذكارات القديسة رفقا تبقى متاملا للكثير من الايقونات التي حملت محطات من حياة القديسة لكن الامر الاخر الذي يجعلك موقنا بان الدير هو عبارة عن مؤسسة مجتمعية تتيح لزائريها ليس الزوادة الروحية ونقطة ارتياح للنفوس المتعبة فحسب بل هي ايضا مركز للمونة.
وفي مسافة تجاور الدير المذكور تنطلق نحو بقعة لقديسيين اخرين حيث تقصد دير مار قبريانوس ويوستينا لتجد ناظريك تحيطان بمزار القديس نعمة الله كساب الحرديني والطوباوي اسطفان نعمة حيث يقع الدير في كفيفان بقضاء البترون في شمال لبنان وتقول عنه الكتب التعريفية بان المكان يضم اكثر من مزار بل هو مزاران او ثلاثة واكثر في مكان واحد ويعود تاريخ الدير الى ماقبل القرن السابع الميلادي حيث تحول في سنة 1230 الى مقر الكرسي البطرياركي ثم تسلمته الرهبانية اللبنانية المارونية في العام 1766 وهو عبارة عن خربة فباشرت اعمال تاهيله وتوسيع ممتلكاته حتى اضحى بالشكل الذي زرناه فيه والمزار يضم محطتين اساستين الاولى عبارة عن ضريح القديس نعمة الله كساب الحرديني ويقع في الطبقة السفلية من الدير في الجهة الغربية من عقد صخري قديم حيث سجي القديس الحرديني في نعش من خشب الارز مصمم بشكل سفينة وكانها تبحر بمن فيها الى السماء والثاني ضريح الطوباوي الاخ اسطفان نعمة الذي يستقر ايضا في الطبقة نفسها لكن من جهة الشرق حيث يمدد نعمة بنعش زجاجي على مراى من زوار الدير وطالبي شفاعته وتبرز تحت الواجهة التي يسجى فيها كتابة بالكرشونية تقول الاخ اسطيفان نعمة الراهب اللبناني الماروني (1889-1938). فمن هما القديس نعمة الله كساب الحرديني والطوباوي الاخ اسطفان نعمة ؟
هو يوسف بن جرجس كساب ومريم رعد ابصر النور في بلدة حردين الواقعة في اعالي قضاء البترون في شهر اذار من السنة 1808 ونشا في بيئة جبلية بسيطة تعتاش على الزراعة تلقى علومه الاولى في مدرسة حردين ومن ثم في مدرسة دير مار انطونيوس حوب في تنورين عاد بعدها لقريته يساعد والديه باعمالهما الزراعية حتى سمع صوت الرب يدعوه للحياة الرهبانية فلبس ثوب الابتداء في دير مار انطونيوس الكبير بقزحيا ومن ثم تدرج يلبس ثوب الكهنوت مرتسما بدير كفيفان وذلك في عام 1835 حيث قضى حتى العام 1838 يعلم الاولاد ويساعد الكهنة بخدمة الرعايا وتعين لاكثر من مرة مديرا عاما للرهبانية وشغل مناصب رهبانية عديدة كما انتدب لاكثر من مهمة تعليمية وتوفي عام 1858 بعد اصابته بمرض ذات الجنب ليدفن بدير كفيفان وقدمت دعوى تطويبه للفاتيكان فصدق البابا يوحنا بولس الثاني على فضائله البطولية في عام 1989 فاعلنه مكرما ثم طوباويا عام 1998 فقديسا للكنيسة الجامعة وذلك عام 2004 وتحتفل الكنيسة المارونية بعيده في 14 كانون الاول من كل عام اما الطوباوي الاخ اسطفان نعمة فاسمه الكامل هو يوسف بن اسطفان نعمة وكريستينا البدوي حنا وولد في بلدة لحفد الجبيلية عام 1889 ودخل الرهبانية اللبنانية المارونية سنة 1905 وقد اتخذ اسم اسطفان تيمنا بشفيع بلدته وباسم ابيه وتدرج بمراحل الرهبانية ليكون من الاخوة المساعدين وامضى حياته عاملا مصليا حتى رقد بالبرارة في 30 اب عام 1938 ودفن في دير كفيفان حيث بقي جثمانه سالما وصدق البابا بندكتوس السادس عشر على فضائله البابوية في عام 2007 فاعلنه مكرما ثم طوباويا في حزيران من العام 2010 .
فارقنا تلك الاماكن وكانت وجهتنا نحو دير اخر يضج بالقداسة والحكايات الزاخرة فقصدنا لاحقا دير سيدة النورية الواقع في راس الشقعة بقضاء البترون في شمال لبنان ومن ما يميز الدير المذكور انه يقع في جرف صخري شديد الانحدار حيث تطل منه فيسفسفاء تبرز انقاذ العذراء لغريقين سقطا في لجة البحر فكانت تلك الجدارية بمثابة اطلالة على تلك الواقعة وابراز لمدلولات ما جرى فمن خلال الجرف شديد الانحدار يمكن للناظر ان يرى موقعا طبيعيا قل نظيره حينما يرى على ارتفاع 175 مترا منظرا رائعا للساحل الشمالي وللبحر الابيض المتوسط وهو يتهادى ازرق نقيا نقاوة الموقع المقدس ويتالف الدير من ساحة مركزية تتوسطها نافورة فضلا عن طبقتين من العمارة تتالف من غرف لسكن الراهبات ومنها ماهو مخصص للاعمال الادارية وما هو للخدمة الديرية اما الكنيسة فيلفتك فيها ايقونات الرسل وهي تمر كشريط فوق باب المذبح والابواب المجاورة لها وقد وقف طفلي اندرياس تحت اسم شفيعه التلميذ لالتقط له صورة لها الكثير من المدلولات ففي الكنيسة المكرسة على اسم ام النور والدة الاله سيدة النورية التي تتالف من صحن واحد تزين جدرانه ايقونات متنوعة الرموز والمضامين وهي من طرازات مختلفة يغلب عليها الطابع الروسي وجميعها تعود للقرن العشرين واذ ما غادر الزائر الكنيسة فانه سيخرج الى حديقة صغيرة تلتفت انتباهه فيها شجرة معمرة قد التقت اغصانها الهرمة ببعضها ليشكل عناقا للطبيعة قبل ان تقصد المغارة العجيبة التي يقال ان العذراء قد ظهرت فيها للبحارة وعلى العموم فان تسمية سيدة النورية تتعلق بذكر قصة قديمة تقول ان شابا لبنانيا يدعى عبد المسيح عزم ان يتعبد للمسيح الاله وتقديم الشكر للسيدة ام النور التي شفته من مرضه وكان قد راها في حلمه واقفة في جبل الشقعة وطلب منها المعونة فباركته واذ كان قد دخل دير مار انطونيوس في مصر سنة 478 ثم رقي لدرجة ناسك كبير سنة 481 وجاء لزيارة اهله في بلدته حيث امضى خمسين يوما ودعهم متوجها الى بيت المقدس ليزور دير القديس سابا ولما وصل الى قرب جبل الشقعة استلفت نظره نور عظيم في الجبل وفي وسط النور امراة جميلة تحمل طفلا وتشير بيدها الى البحر لتقول لعبد المسيح (يابني وجه نظرك نحو البحر ) التفت عبد المسيح فراى شابا حدثا عريانا راكبا قطعة خشب تسوقه امواج البحر حتى جاءت به قرب اليابسة فاسرع اليه وانتشله وجلله بردائه وساعده فخرج من الماء فقال :
(ياسيدي قد انهكت قواي اطعمني كي اتقوى وساعدني حتى اقترب من تلك المراة الموجودة في النور والتي كانت تناديني لاتخف ياولدي انا معك انا اخلصك من الغرق اريد ان اشكرها ) فقال عبد المسيح (ياولدي هذه هي العذراء ام النور هيا بنا نسجد )فسجد كلاهما عند اسفل الجبل فتوارت العذراء عن اعينهما وبقي النور ثم تسلقا الجبل الى ان اتيا المغارة فانبهرا ولم يجسرا ان يدنوا منها ورنم عبد المسيح ترتيلة شكر للعذراء وامضيا ليلتهما في تلك المغارة قبل ان تنبلج شمس الصباح حيث تعارفا جيدا قال عبد المسيح للشاب يوحنا ( اعلم ياولدي اني مدين لهذا المكان ولوالدة الاله بينما كنت مريضا في الاسكندرية رايت نفسي على شاطي البحر وام النور تباركني وقد شفتني والان ارى الشبه الكلي بين هذا المكان وذاك الذي رايته في الحلم انه هو بعينه) وكان ذلك سنة 478 والقصة مذكورة في كتاب (مزارات لبنان طريقك الى يسوع) في الصفحة( 187) من الكتاب والخاصة بذكر تفاصيل حول دير سيدة النورية . وما لفتني ايضا في هذا الدير ثريته العتيقة اضافة لايقونة وضعت على وجه الانجيل في الكنيسة كما برز في احد جدران الكنيسة بمثابة سجادة مطرزة تظهر لحظة تكفين المسيح من قبل يوسف الرامي حيث كتب على محيط تلك الصورة المطرزة والموشاة بخيوط ذهبية بان يوسف المتقي احدر جسدك الطاهر وحنطه بالطيب وجهزه من العود ولفه بالسباني النقية واضجعه في قبر جديد ..
ننتقل من ذلك الدير نحو وجهة اخرى هي البترون فنزور كنيسة سيدة البحر وتقلنا سيارة كهربائية يقودها فكتور في الازقة الضيقة لتلك المنطقة الجميلة وتبقى البترون وجهة معروفة للسياح والمقيمين والمغتربين سواء في فصل الصيف او الشتاء حيث تبدو كفرصة للتجول في شوارعها للتعرف على عمارتها القديمة ومقاهيها الزاهرة اما عن اللبنانيين فيقصدوها بكثرة بموسم عيد الميلاد اذا تبدو البترون عاصمة للميلاد على حسب ما يكتب الصحفيون ومنهم فيفيان حداد في ضوء تحقيق تعده عن المنطقة منشورا بجريدة الشرق الاوسط يوم 14 كانون الاول 2023 ومما تقوله حداد عن المنطقة في ذلك الموسم الحافل بان اهل البترون يصفون زينتهم بالاجمل في لبنان حيث ترتدي الشوارع والتقاطعات حلة لافتة فتتحول الى لوحة مزخرفة بالوان العيد التي تغطي ساحاتها الرئيسية واحيائها وازقتها وفي كل سنة يجدد اهل البترون تلك المظاهر اللافتة كي تحمل في طياتها ما يفرح العين ويطرب القلب وتختصر المستشارة الاعلامية لمهرجانات البترون الدولية يارا حرب تلك المظاهر في حديث لمراسلة جريدة الشرق الاوسط فتقول انها تمثل صلابة الشعب اللبناني وفسحة امل وبقعة ضوء للبنان بمجمله وتضيف لانترك اي مساحة من البترون لاتغمرها زينة الميلاد في هذا الموسم حيث ان البترون تبحث دائما عما يثير في اهلها واولادها حب الحياة واذ كنا في صيف العام قد اطلعنا على جملة من انشطة هذه المدينة الساحلية فانها تضاعف مثل تلك الانشطة في موسم الميلاد حيث تسلط الجريدة الضوء على جولة بالسير على الاقدام من زوار البترون حيث يرفعون شعار لاقونا عالبترون اما كل ساحة من ساحات تلك البلدة فهي تنثر ضوء الفرح في كل ساحة من ساحاتها مثل ساحة مار جرجس وساحة السيدة وساحة مار اسطفان حيث ان الاخيرة تؤمن المونة اللبنانية من لبنة وكشك وماء زهر وماء ورد ودبس العنب والخروب وغيرها من مونة لبنان المشهورة حيث تجدها في هذه الساحة وعلى امتداد الساحة تتوزع بسطات الخشب التي تنبسط عليها اعمال حرفية من مشغولات يدوية ولوحات فنية .


