آفاق تجربة التعليم السرياني في العراق من جانب الطموحات والآمال

آفاق تجربة التعليم السرياني في العراق من جانب الطموحات والآمال
تواجه تجربة التعليم السرياني في العراق تحديات متواصلة أبرزها النزوح، تراجع أعداد الدارسين، صعوبات الكوادر، وقلة الدعم الأسري. تستدعي التجربة تكامل المدرسة والمجتمع والتكنولوجيا لضمان استمرار اللغة في حياة الأطفال...

تبقى تجربة التعليم السرياني في العراق، منذ تجسيدها بعد عام 2003، مرهونةً بطموحات كبيرة مازالت تحيط بها، خصوصاً مع تباين واقعها بين المناطق التي شملتها التجربة. فقد واجه هذا المشروع التربوي معوقات عديدة، لاسيما في الموصل، حيث ألقى النزوح والتهجير بظلاله الثقيلة على الوجود المسيحي، ما انعكس مباشرة بتناقص أعداد الدارسين للسريانية مقارنة بما كان عليه الحال قبل 2003. ومع أنّ التجربة عبرت محطات متعددة خلال عقد من الزمن، إلا أن الكثير من الثغرات ما تزال تتطلب معالجة عبر تعزيز مرتكزات التجربة وتحقيق اكتمال أضلاع مثلثها الحيوي: التعليم، المجتمع، والحركة الثقافية.

يرتبط نجاح التعليم السرياني بتفعيل الحياة الثقافية ومزاوجتها مع الجهد التربوي، عبر توفير وسائل تعليمية ملائمة لا تقتصر على المنظومة التعليمية وحدها، بل تتكامل مع المؤسسات الثقافية والمراكز المهتمة. كما لا يمكن إغفال واقع الطفل الذي يتلقى السريانية في سن تتراوح بين السادسة والثانية عشرة، وسط زخم لغات أخرى كالعربية والإنكليزية ولغة البيئة المستضيفة كاللغة الكردية. وقد ساهم الانتشار الطاغي للعربية في تضييق مساحة السريانية، ما فرض على الدارسين البحث عن فرص إضافية كي لا تبقى اللغة محصورة في الحصص الدراسية القصيرة.

وتبرز أهمية توفير منشورات خاصة بالفئة العمرية الصغيرة، تراعي ضرورة الدمج بين النصوص والرسوم التوضيحية، مثل مجلة “هباوي” التي تقدم قصصاً وأمثالاً من الكتاب المقدس. غير أن فاعلية هذه المنشورات تتأثر بضعف قدرة أولياء الأمور على فهم اللغة، ما يجعل التواصل الأسري مع المادة التعليمية أمراً صعباً، فضلاً عن التباين بين الخطين الشرقي والغربي. كذلك يبرز الجانب السمعي كدعامة أساسية، من خلال مختبرات اللغة، والألعاب المبرمجة بالسريانية، واستثمار التقنيات الحديثة. وقد قدمت مؤسسة “رينيو” مثالاً على توظيف التكنولوجيا لنقل الخبرات المعرفية والوجدانية للمتعلمين باستخدام وسائل عصرية.

ومع تداعيات سيطرة داعش وتشتت المشمولين بالتعليم السرياني، برزت قيمة وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الحاسوب كركيزة لتعويض الانقطاع. ويتيح دمج التكنولوجيا في التعليم التكيف مع الظروف الطارئة وملاحقة الطلبة أينما استقروا، مع إعطاء المتعلم دوراً أكثر فعالية واعتماد طرائق تتمركز حوله. كما أن محاكاة مخيلة الطفل عبر الرسوم المتحركة والشخصيات الكرتونية يمكن أن تشكل وسيلة مهمة لترسيخ اللغة.

وتضمّن المقال إلقاء الضوء على تجربة تدريس السريانية في مدارس النازحين، خصوصاً في ممثلية وزارة التربية في دهوك، بعد نزوح آلاف العوائل إثر اجتياح داعش لسهل نينوى والموصل. فقد أُعيد فتح المدارس في مناطق النزوح بعد استحصال الموافقات الرسمية، وبدأت الممثليات عملها بتنظيم الوحدات الإدارية، ومن بينها وحدة اللغة السريانية. وجرى توثيق أعداد الطلبة المشمولين، إذ بلغ عددهم في 2017 أكثر من 5467 تلميذاً في الابتدائية، و2150 في المتوسطة، و1370 في الإعدادية. كما استمرت الوحدة بالإشراف على المدارس وتنظيم اللقاءات التربوية وإقامة المعارض الفنية والدورات التطويرية بدعم المنظمات، إضافة إلى الاستعانة بالمحاضرين لسد الشواغر.

ويعرض المقال أيضاً مشاهدات المشرف التربوي الذي باشر زياراته للمدارس في 2015، حيث وجد تبايناً في مستويات استيعاب الطلبة وصعوبة في بيئة المدارس الكرفانية. وقد برزت حالات تفانٍ من بعض الكوادر رغم الظروف، في حين أظهرت كوادر أخرى ضعفاً واضحاً في إيصال المادة رغم توفر الكتب والبنى المناسبة. وكان لأولياء الأمور غير المتقنين للغة دور في انخفاض نسب النجاح، ما استدعى منحهم فرصاً للتعلم عبر بوابات متنوعة. كذلك سعى المشرف إلى إعادة تنظيم الحصص وتقسيم الدروس بما يسهل فهم التلاميذ للمادة. ورغم المصاعب والمشادات الإدارية أحياناً، جرى تذليل العديد من العقبات.

كما يقدم الكاتب خبرته الشخصية في تدريس السريانية خلال أربع سنوات في مدرسة النصر الثانية، حيث تم إنشاء كرفان خاص للتدريس وتجهيزه، وإقامة معارض ومناظرات داخلية، والبدء مع التلاميذ من الحروف الأساسية، واستقبال المناهج الجديدة الصادرة عن المديرية العامة للدراسة السريانية. ويشير إلى صعوبات أهمها: هجرة الكوادر، غياب التعيينات الجديدة، عدم استقرار المواقع المدرسية، محدودية عدد الحصص، وعدم التزام بعض الإدارات بإعطاء وقت كافٍ للمادة.

ثم يستعرض المقال تاريخ المناهج السريانية، بدءاً من كتب نعمة الله دنو في ثلاثينيات القرن الماضي، مروراً بكتاب المطران مار ثاوفيلس جورج صليبا، وصولاً إلى سلسلة “دروس في تعليم اللغة السريانية” للأب شليمون إيـشو، والمناهج الحديثة الصادرة عن إقليم كردستان ثم المديرية العامة للدراسة السريانية. وقد تم تحليل أساليب تقديم الحروف والقواعد، وطريقة الدمج بين الرسوم والنصوص، إضافة إلى نقد المناهج الحديثة التي وُصفت بأنها لا تراعي دوماً التسلسل الأبجدي ولا الخلفية اللغوية للطفل الذي يأتي غالباً من بيئة غير ناطقة بالسريانية.

وأخيراً، يشدد المقال على أن تجربة التعليم السرياني ما تزال بحاجة إلى تعزيز التواصل بين المدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام والتكنولوجيا. كما أن المطبوعات والألعاب والوسائط المتعددة يمكن أن تشكل “مدرسة موازية” تعوض قصر زمن الحصة الدراسية وتضمن استمرار اللغة في الحياة اليومية للطفل. فرغم كل التحديات، يظل الإصرار والعزيمة لدى الكوادر والطلبة هو الركيزة الأساسية لاستمرار هذه التجربة والمحافظة على لغة الآباء والأجداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *