الامثال الموصلية وارتباطاتها ببعض الاعياد المسيحية

الامثال الموصلية وارتباطاتها ببعض الاعياد المسيحية
تكشف الأمثال الموصلية عن ارتباط وثيق بالأعياد المسيحية، حيث مثّلت تقويماً شعبياً يحدد مواسم الزراعة وتحوّلات الفصول. فهي انعكاس للحكمة الشعبية والموروث السرياني، وتؤكد أنّ الأعياد لم تكن طقوساً دينية فحسب، بل علامات اجتماعية وحياتية راسخة....

كنت قد نشرت  موضوعا في المجلة التي كانت تصدر عن مطرانية الموصل للسريان الارثوذكس  باسم صدى المحبة في منتصف التسعينيات وكان موضوع المادة المنشورة يتعلق بالاشارة الى ارتباط بعض الاعياد المسيحية وذكرها في الامثال الموصلية حتى عنيت تلك الامثال بكونها ترتبط بالموسم الخاص بتلك الاعياد كونها تقع بتواريخ محددة ليتداولها الناس  وقد اضاء لي في ان استذكر ما جاء بذلك المقال الذي فقدته اثر فقدان جميع اعداد المجلة المذكورة بعد مغادرتنا لمنزلنا في مدينة الموصل بعد عام 2014 الا انني ارتايت ان استذكر مجددا تلك الامثال وتبيان مدلولاتها  كون الامثال تعد  تجسيدا لتجارب ومشاعر وانفعالات  لحالات يواجهها الناس  اضافة الى ان تلك الامثال تمثل تركة يتوارثها الابناء عن الاجداد ويطيب لهم استذكارها او تداولها على السنة من سبقهم  حيث عادة ما تشكل الامثال تجربة حياتية مر بها انسان ما لينقلها لاخر عبر المثل المتداول  فضلا عن الامثال وارتباطاتها بالاعياد تشير لدقة  تحديد تلك الاعياد ومواسمها التي تقع فيها  لتشكل تقليدا متوارثا يحرص على الحفاظ عليه الاجيال اللاحقة كمحطة عرفان للاسبقين  وقد عنيت الادان والرسالات السماوية بتداول تلك الامثال لابل ابرازها ضمن محور الكتب المقدسة فبرز من خلال هذا الامر سفر الامثال في العهد القديم  وهو السفر الذي كتبه سليمان النبي في اغلبه  وجمع معظم تلك الامثال في بداية عهد ملكه وهو سفر اقوال  حكيمة  وكتاب لتعليم الناس  كيف يعيشون حياة نقية  عن طريق تكرار الافكار الحكيمة  حيث تبرز معالم هذا السفر  من خلال استخدامه  لمختلف الصور الادبية  من شعر وامثال  واسئلة  محددة  كما تشمل  الصور الاخرى  المتناقضات  والمقارنات  والتجسيد  حيث عني السفر المذكور  بكيفية تعليم الناس  لكيفية ان يكونوا  ذوي فهم وعدل   ولجعل الانسان البسيط يتمتع بالحكمة  حيث اراد السفر  تزويد الانسان بالتعليم الاخلاقي وقد ارتبطت بعض الاعياد المسيحية بمجموعة من الامثال  اضافة الى ان بعض الامثال  الموصلية  استخدمت بعض الالفاظ الارامية والسريانية دليلا على ان هنالك من كان يحرص على ادامة تلك اللغة وابرازها في واقع الحياة الموصلية فقد نشر  الكاتب جورج حبيب في مجلة  التراث الشعبي باحد اعداد عام 1973 مجموعة من المفردات التي تنحدر باصلها للغة السريانية  ومازالت تتداول على نحو اوسع عبر اللهجة الموصلية المعروفة حيث  استنبط حبيب من تلك الالفاظ عددا من المفردات اليومية  تقارب بعددها نحو اكثر من 40 كلمة ارامية او سريانية  لتشير الى ان اللغة الارامية كانت ذا تاثير واضح في لهجة  سكان منطقة الشرق الادنى  وخصوصا سكان المناطق العربية  ونورد بعضا من الكلمات التي تطرق لها الكاتب جورج حبيب في سياق مقالته مثل بستوقة  التي تعني الاناء الخزفي  الذي سمي لاحقا بالبستوكة  وخوار الثور المعروف ببربر والتي لاحقا تم تداولها في اللهجة الموصلية كناية عن الشخص الذي يتفوه بكلام غير مفهوم ليقال عنه بكونه يبربر  او يدمدم غضبا  وكمع بتشديد الكاف والتي تعني شرب الماء بنسبة محددة  وكندر التي تعني دحرج  وكحص  التي تعني فزع  اضافة  الى طهوما التي تعني  عشيرة فيقال بالمثل هذولي ما من تخمك اي من طينتك او قبيلتك  وناتي الان لايراد بعض الامثال  الموصلية فمن بين تلك الامثال ما اورده الباحث الموصلي الراحل فاضل محمد عبد الله في مقالة له نشرها بمجلة التراث الشعبي  بالعدد 6 لعام 1973 حيث اشار  الى اشموني  وسبع اولادا  ومعلما واستادا  حيث ارتبط هذا المثل  بالاشارة الى من يدعا الى وليمة  فياتي مصطحبا  معه اولاده واقربائه وحتى جيرانه  ويضيف عبد الله  بكون اصل المثل مرتبط  بظهور خيال القديسة  شموني  ويتبعها اولادها  ثم جمع غفير من اتباعها  على حائط الكنيسة  مساء احد اشموني  ويصادف  في فصل الخريف  من كل عام  وتكون في القرية بحسب الكاتب ايام افراح  وزيارات  من يوم الاحد حتى يوم الجمعة  حيث يكون الاحتفال على اشده  ويقصد قرية قرة قوش بهذه المناسبة  عدد كبير من ابناء  الموصل  وابناء  القرى المجاورة  ويشارك المسلمون  اخوانهم المسيحيين  في افراحهم  بمناسبة عيد القديسة اشموني  والحقيقة ان قصة القديسة المذكورة غير واردة في كتاب الانجيل بل هي مرتبطة باسفار العهد القديم  حيث يورد القصة سفر المكابين  الثاني  منوها بالواقعة  التي جرت بين عامي 164-160 قبل الميلاد وهنالك كنيسة في وسط بلدة قرةقوش تحمل اسم القديسة  المذكورة حيث تبرز بكونها تقع على تلة ويرتقى اليها بدرجات عديدة للوصول اليها  وتعيد الكنيسة بعيد القديسة في 15 تشرين الاول من كل عام  وهنالك مثل اخر مستنبط من الاية الانجيلية  الواردة في انجيل لوقا الاصحاح 14 الاية 7 والتي اشار من خلالها السيد المسيح  بدعوته  لعدم الجلوس في المتكا الاول  فلعله ياتي من هو اكرم منك  فياتي من دعاك  ليقول لك  اعط مكانا لهذا حيث يقابلها المثل الموصلي الذي يقول  اقعد في المكان  اللي ما يقيمونك منو  حيث يشير المثل لعدم  الجلوس في اماكن  رئيسية يمكن ان تكون مخصصة لاخرين ومحور المثل هو الاتصاف بالتواضع  ومثلما ذكرنا في ما سبق بان اغلب الامثال  الموصلية ارتبطت بمواسمها  فعلى سبيل المثال هنالك مثل موصلي يقول بعيد الصليب شيل البرادي وخلي المغزيب  وعادة ما يحل عيد الصليب في 14 ايلول من كل عام ويرتبط بقصة تشير لاكتشاف خشبة الصليب في مدينة القدس على يد الملكة هيلانة  ومثلما هو معروف فعندما يحل منتصف ايلول يبدا فصل الخريف  بالبروز  فيعني المثل ذلك بالدعوة الى  رفع البرادي وهي نباتات عشبية كانت توضع على النوافذ وترش بالماء  خلال فصل الصيف لاكساب الغرف  برودة تقي حرارة الاشهر  الخاصة بالقيظ  مثلما يشير المثل المذكور الى  الدعوة لتحضير مجرى الماء المعروف بالمغزيب  او ( المرزيب ) الذي يسهل انسياب مياه الامطار وعدم تجمعها فوق الاسطح كما يرتبط المثل القائل (بين عيد الميلاد والدنح  يقع شي مثل الملح ) بكونه يشير الى وقوع الثلج والحالوب في ذروة اربعينية الشتاء التي عادة ما تكون ما بين عيد الميلاد الذي يوافق يوم 25 كانون  الاول  وعيد الدنح او ما يعرف بعيد معموذية المسيح في 6كانون الثاني حيث عادة ما تتصف الايام الاولى من كل عام باشد درجات البرودة والاجواء الثلجية التي تطغى عليها مما استدعى  اهل الموصل الاقدمين لاستنباط مثل تلك الاجواء وابرازها في المثل المذكور كما يرتبط المثل القائل (من يجي عيد التجلي  نقلو للصيف غوح ولي ) والتي تشير الى حلول عيد تجلي السيد المسيح الواقع عادة في 6 اب حيث  تبدا درجات الحرارة بالانخفاض تبعا لاقتراب حلول فصل الخريف وكسر شوكة حرارة الصيف القائظة .

كما يدلي الاب بيوس عفاص بدلوه بشان الامثال وارتباطاتها ببعض الاعياد فيشير الاب عفاص المهتم بالموروث الموصلي  الى مثلين كثيرا ما يتم تداولهم  في المجتمع المسيحي الموصلي للاشارة الى وقائع حياتية فعلى سبيل المثال  يقول الاب عفاص بان هنالك مثل شائع يشير الى حلول العيد الصغير ويعني به عيد الميلاد الذي عادة ما يحل في ال25 من كانون الاول (ديسمبر ) قبل العيد الكبير وهو عيد القيامة  الذي عادة ما تختلف مواعيدها طبقا لحسابات كنسية  تبرز حلوله في مطلع نيسان (ابريل ) او في منتصفه او في اواخره  والمثل الشائع ( العيد الصغير يجي قبل عيد الكبير ) يمثل  اشارة الى ان اغلب الزيجات التي تحدث في المجتمع المسيحي الموصلي يحظى به الابن الاصغر قبل ان يتاهب الاخ الاكبر للزواج او يعزف عنه  فلذلك اكتسى هذا المثل صيغة للاشارة الى مثل تلك التقاليد الموروثة  فيما يسلط الاب عفاص الضوء على مثل اخر وهو (بعد العيد ما يخبزون كليجة )حيث يشير المثل للانتهاء من  مراسيم او طقوس تنتفي معها اي اشارة او دعوة فلذلك ياتي المثل للاشارة لانتهاء  اي شي وهذا المثل يشير لاهمية التقاليد الخاصة بعمل حلوى العيد كاحدى الدلالات لاقتراب الاحتفال به .

عموما كانت هذه الجولة بمثابة اطلالة لاقران الاعياد المسيحية في الامثال الموصلية  وابرازها كتواريخ وشواهد يمكن من خلالها الاستدلال على حلول فصل مكان اخر  حيث عادة ما كانو الموصليين يعتمدون على وقوع الاعياد بدلا من حفظهم للتواريخ في معرفة الازمنة او البدء بحملات الزراعة والقاء البذور طبقا  لتلك الاعياد مواسمها التي تقع فيها  حيث من دلالات ذلك ان للسيدة العذراء اعياد مرتبطة بالزراعة في روزنامة الاعياد حيث تعيد بعض الكنائس لاعياد ترتبط ببركة مريم العذراء على الزروع  والذي يوافق 15 كانون الثاني حيث عادة ما يكون هذا الموعد تاريخا لاغلب المزارعين بالقاء بذروهم وتهيئة اراضيهم للزراعة  الى جانب الاحتفال بعيد  بركة العذراء للسنابل  والذي يوافق 15 ايار حيث يكون هذا الموعد مرتبطا بموسم الحصاد وانطلاقه لدى اغلب المزارعين  وهنالك ايضا بركة العذراء على الكروم ويوافق 15 اب حيث عادة ما يكون هذا التاريخ موعدا لانضاج عناقيد العنب  وهو موسم ذروة قطافها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *