مقدمة: خلفيات التوتر
تأثرت العلاقات بين العراق وكيان الاحتلال الإسرائيلي منذ زمن بعيد بعوامل جيوسياسية وتاريخية وإيديولوجية. يعتبر العراق، كأحد الدول الرئيسية في العالم العربي، منذ احتلال فلسطين قد اتخذ سياسة معارضة لنظام الاحتلال الإسرائيلي ودعم الجماعات المقاومة في المنطقة. ومع ذلك، وصلت التوترات الأخيرة إلى مرحلة تشير التقارير فيها إلى احتمال وقوع صراع مباشر. إن شكوى نظام الاحتلال الإسرائيلي إلى مجلس الأمن والتهديدات المتبادلة بين بغداد وتل أبيب، قد أدخلت هذه التوترات في مرحلة حرجة. في هذه التحليل، سنستعرض الأبعاد المختلفة لهذه الأزمة، ودور الفاعلين الرئيسيين، وآثارها المحتملة على الاستقرار الإقليمي والدولي.
أسباب وعوامل التوتر
أحد الأسباب الرئيسية للتوترات هو أنشطة الجماعات المقاومة العراقية التي قامت بعمليات ضد مواقع كيان الاحتلال الإسرائيلي. تعتبر هذه الجماعات نفسها ملتزمة بدعم فلسطين ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي. تُعتبر عملياتهم في المناطق الحدودية أو دعمهم لجبهات أخرى مثل لبنان وغزة تهديدًا جديًا لأمن الكيان المحتل. ونظرًا لأن الجماعات المقاومة تؤمن بـ “وحدة الميدان”، فإن هذا الأمر يزيد من توتر العلاقات بين العراق ونظام الاحتلال الإسرائيلي. في الواقع، يسعى المحتل إلى خلق انقسام بين مختلف فئات المجتمع العراقي، لفصل الجماعات المقاومة عن بقية الجماعات الداخلية في العراق واستهدافها عبر سلسلة من الهجمات. وفي إطار هذه السياسة، تُظهر شكوى نظام الاحتلال الإسرائيلي إلى مجلس الأمن ضد العراق سعي هذا النظام للضغط على بغداد من خلال الأدوات الدبلوماسية. إن هذا الإجراء، بالإضافة إلى التهديدات العلنية من قبل المسؤولين الإسرائيليين، يدل على محاولة تل أبيب لجذب الدعم الدولي وإضفاء الشرعية على أي عمل عسكري محتمل ضد العراق.في العراق، حاولت الحكومة تحقيق توازن بين الحفاظ على السيادة ومنع تفاقم الأزمة. حاول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من خلال إصدار أوامر أمنية تقييد الأنشطة العسكرية خارج سيطرة الحكومة ومنع أي إجراء غير منسق قد يوفر ذريعة للهجوم على العراق.
رد فعل العراق على التهديدات
يعتمد العراق على قواته الأمنية والحشد الشعبي لعرض الاستعداد لأي تهديد. وقد أكد علي البندواي، أحد أعضاء لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، أن لدى العراق أكثر من مليوني عنصر مسلح ولديه القدرة على مواجهة أي اعتداء. كما يسعى العراق من خلال وزارة الخارجية والتواصل مع الدول الغربية وجامعة الدول العربية إلى منع وقوع صراع عسكري. إن طلب عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية والاتصالات الدبلوماسية المتكررة تعكس أولوية بغداد لاستخدام الأدوات السلمية. وقد أكد المسؤولون العراقيون أنه في حال حدوث أي هجوم، لن تستهدف إسرائيل فقط بل ستستهدف أيضًا مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. إن هذه التحذيرات تعكس بوضوح قدرة العراق على توسيع نطاق الصراع إلى مستوى إقليمي.
دور الولايات المتحدة
تلزم الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن الولايات المتحدة بالدفاع عن سيادة العراق ضد التهديدات الخارجية. ومع ذلك، أظهرت الولايات المتحدة في الماضي أنها لا تلتزم بالدفاع عن سيادة وأمن الشعب العراقي في الظروف الحرجة وستواصل لعبتها بطريقة غير مباشرة. (مثل داعش حيث تمكنت القوات الشعبية في النهاية من طرد هذه الجماعة الإرهابية من الأراضي العراقية). كما يمكن الاستشهاد بكلام السياسيين العراقيين، بما في ذلك سلام حسين الذي أعرب عن قلقه من أن الولايات المتحدة قد لا تفي بالتزاماتها. وقد دعا إلى إلغاء هذه الاتفاقية إذا لم تلتزم الولايات المتحدة بها. تواجه الولايات المتحدة وضعًا صعبًا نظرًا لالتزاماتها تجاه العراق. فمن جهة، يمكن أن تؤثر أي تدخل مباشر ضد نظام الاحتلال الإسرائيلي على علاقاتها مع تل أبيب. ومن جهة أخرى، قد يؤدي تجاهل التهديدات ضد العراق إلى تقليل نفوذ واشنطن في هذا البلد ووفضح أمرها للجميع.
الآثار المحتملة للتوتر
إن تصاعد التوترات بين العراق ونظام الاحتلال الإسرائيلي يهدد الاستقرار الإقليمي بشدة. نظرًا للعلاقة الوثيقة للعراق مع محور المقاومة، فإن أي هجوم على هذا البلد يمكن أن يؤدي إلى توسيع الصراع ليشمل لبنان وسوريا وحتى مناطق أخرى من الخليج الفارسي. يمكن أن تؤثر هذه الأزمة على العلاقات المعقدة بين الفاعلين الدوليين. قد يتحول مجلس الأمن الدولي، بالنظر إلى شكوى نظام الاحتلال الإسرائيلي والجهود الدبلوماسية للعراق، إلى مكان للاختلاف بين القوى الكبرى. داخل العراق، يمكن أن تؤدي التوترات إلى عدم الاستقرار السياسي والأمني. بينما تسعى الحكومة لتجنب حدوث أزمة داخلية، فإن أي هجوم خارجي يمكن أن يعمق الانقسامات السياسية والأمنية. قد تؤدي تهديدات الكيان المحتل أيضًا إلى تعزيز الوحدة بين الجماعات المقاومة في المنطقة .يجب على العراق استخدام جميع إمكانياته الدبلوماسية لتقليل التوترات. يمكن أن يلعب جذب دعم مجلس الأمن وجامعة الدول العربية دورًا مهمًا في منع أي عمل عسكري ضد هذا البلد. إن الاستثمار في نظم الدفاع المتقدمة لحماية الأجواء والحدود العراقية يعد من الأولويات الحيوية فيمكن أن يساعد ذلك في تقليل تعرض العراق للتهديدات الخارجية كما يجب على الحكومة العراقية العمل على إنشاء توافق بين الجماعات السياسية والأمنية لمنع تحول هذه الأزمة إلى تحدٍ داخلي.
الخلاصة
تعكس التوترات بين العراق ونظام الاحتلال الإسرائيلي تطورات جيوسياسية معقدة في المنطقة التي لها جذور في الصراعات التاريخية والإيديولوجية. بينما يسعى العراق للحفاظ على أمنه وسيادته من خلال الأدوات الدبلوماسية والعسكرية، يسعى نظام الاحتلال أيضًا لإضفاء الشرعية على أفعاله عبر المؤسسات الدولية. ستكون هذه الأزمة اختبارًا جادًا للفاعلين الإقليميين والدوليين، وإدارتها تتطلب ذكاءً وتنسيقًا وإجراءات حاسمة من الحكومة العراقية.


