المقدمة
يتمتع رئيس الولايات المتحدة بسلطة واسعة في استخدام القوة العسكرية، حتى دون الحصول على تفويض من الكونغرس، وحتى عندما يكون هذا الإجراء انتهاكًا للقوانين الدولية. لقد أدت التدخلات العسكرية لإدارة بايدن في الشرق الأوسط، منذ 7 أكتوبر 2023 فصاعدًا، إلى مزيد من إضعاف القيود المفروضة على صلاحيات الحرب الرئاسية، وربما تركت لإدارتها اللاحقة مواجهة جديدة مع الحوثيين. على الرغم من الشعار الدائم الذي رفعه دونالد ترامب، الرئيس المنتخب، حول “عدم خوض حروب جديدة”، وادعائه أن الولايات المتحدة كانت في سلام خلال فترة ولايته الأولى، إلا أن واشنطن لم تكتفِ بإشعال صراعات جديدة، بل وسّعت وعمّقت الحروب القائمة دون الحصول على تفويض جديد من الكونغرس. أظهرت السنوات الأربع الأولى لترامب في البيت الأبيض قيادة عسكرية غير مستقرة، ولكن مع بعض التوجهات الواضحة فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية. وبسبب طبيعته التفاوضية، كان ترامب عمومًا متشككًا في الانتشار العسكري الأمريكي الواسع في الخارج وقيمة التحالفات والشراكات الدولية. لكنه كان يميل إلى تجاوز الرؤساء السابقين في العمليات العسكرية—فقد نفذ هجمات فقط لأن أسلافه امتنعوا عن القيام بها.
سياسة ترامب تجاه سوريا وتنظيم داعش
في عام 2017، ورث ترامب مهمة عسكرية محدودة ضمن الحرب الأهلية المعقدة في سوريا. كان الرئيس السابق، باراك أوباما، قد حصر التدخل العسكري المباشر في سوريا إلى حد كبير في محاربة تنظيم داعش، وامتنع عن مهاجمة بشار الأسد أو تنفيذ “خطه الأحمر” بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب أجرت مراجعة مطولة لخطط أوباما في محاربة داعش، إلا أن أول تغيير مهم قامت به كان تعديل التسمية الرسمية للتنظيم من “ISIL” إلى “ISIS”. وقد تم القضاء على الخلافة المادية لتنظيم داعش، وقتل زعيمه أبو بكر البغدادي، خلال فترة ترامب عام 2019، إلا أن إدارته استمرت في اتباع سياسة أوباما في مكافحة الإرهاب.
ومع ذلك، عندما نفذت قوات الأسد هجومًا كيميائيًا قاتلًا بغاز السارين في خان شيخون عام 2017، قرر ترامب الرد. وبحسب تصريحات أبنائه، فقد تأثر ترامب بشدة عند مشاهدة صور الأطفال السوريين الذين تأثروا بالهجوم، مما دفعه إلى اتخاذ قرار بالرد العسكري. كما انتقد أوباما لعدم تنفيذه “خطه الأحمر”. إلا أن خطته الأولية للانتقام لم تتحقق كما أراد. وتفيد التقارير بأن ترامب اتصل بوزير الدفاع آنذاك، جيمس ماتيس، مطالبًا باغتيال الأسد، قائلاً بغضب: “اقضوا عليه! دعونا نذهب ونقتلهم جميعًا!” لكن ماتيس رفض تنفيذ هذا الأمر، قائلاً لمساعديه: “لن نفعل ذلك. سيكون ردّنا أكثر توازنًا.” ونتيجة لذلك، اقتصر الرد الأمريكي على ضربات جوية محدودة استهدفت قاعدة الشعيرات الجوية.
السياسة العدائية الأمريكية تجاه العراق في عهد ترامب
اتبع ترامب سياسة عدوانية تجاه العراق امتدادًا لنهج واشنطن في الهيمنة على المنطقة. وكغيره من الرؤساء الأمريكيين السابقين، نظر ترامب إلى العراق كدولة تابعة، وسعى إلى استخدامه كأداة لمواجهة إيران وتأمين المصالح الاقتصادية والعسكرية الأمريكية. وبعد هزيمة تنظيم داعش في العراق، والتي تحققت إلى حد كبير بفضل القوات العراقية وفصائل المقاومة المدعومة من إيران، لم تسعَ الولايات المتحدة إلى تقليص وجودها العسكري، بل عملت على استمرار الاحتلال وترسيخ نفوذها في البنية السياسية والعسكرية العراقية. فلم تكتفِ واشنطن برفض سحب قواتها، بل نفذت عدة هجمات لتعزيز هيمنتها على بغداد ومنع العراق من تحقيق استقلاله الكامل.
بلغت هذه السياسة الاستعمارية ذروتها باغتيال القائدين البارزين، اللواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، في يناير 2020. خشيت الولايات المتحدة من دور هذين القائدين في هزيمة داعش وتعزيز روح المقاومة في المنطقة، فاستهدفتهما في عملية اغتيال إرهابية. لم يكن هذا العمل مجرد انتهاك صارخ للسيادة العراقية، بل كشف أن الولايات المتحدة مستعدة لارتكاب الجرائم متى ما اقتضت مصالحها ذلك. وبعد هذا الهجوم، صوت البرلمان العراقي لصالح انسحاب القوات الأمريكية، إلا أن واشنطن تجاهلت هذا القرار وهددت بفرض عقوبات اقتصادية على العراق، وكأن البلاد ولاية تابعة لها.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة بررت وجودها في العراق تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”، إلا أن هدفها الأساسي كان الحفاظ على نفوذها السياسي ونهب ثرواته النفطية. وقد صرح ترامب علنًا أن الولايات المتحدة يجب أن تحصل على النفط العراقي مقابل تدخلها في الشرق الأوسط، بل واقترح إبقاء القوات الأمريكية في العراق من أجل “السيطرة على النفط”، كما لو أن العراق لا يملك سيادة على موارده الطبيعية. ولم تقتصر واشنطن على إبقاء قواتها، بل عملت على تأجيج الصراعات الداخلية ودعم جماعات مؤثرة لضمان بقاء العراق غارقًا في الأزمات السياسية والأمنية. كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو خلق انقسامات داخلية، وإضعاف قوى المقاومة، ومنع العراق من تحقيق استقلاله الكامل. لقد كشفت إدارة ترامب بوضوح عن نهجها التدخلي في العراق، سواء من خلال عمليات الاغتيال أو نهب الموارد أو التهديد بفرض العقوبات، مما أثبت أن واشنطن لا تحترم سيادة العراق، بل تسعى فقط لتحقيق مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
رؤية مستقبلية لسياسة ترامب الخارجية في 2025
على الرغم من أن ترامب يميل إلى تجنب الحروب الكبرى، إلا أن تصرفاته خلال فترته الأولى أظهرت أنه قد يزيد من الضربات الجوية والهجمات العسكرية، كما فعل في الصومال وأفغانستان. كما أن سياساته تجاه السعودية أوضحت استعداده لدعم وتمويل الحروب التي تخوضها دول أخرى، بغض النظر عن كيفية إدارتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن ترامب يميل إلى اتخاذ إجراءات استفزازية دون إدراك كامل لعواقبها. وكان اغتيال اللواء سليماني مثالًا على هذا السلوك، حيث أدى إلى تداعيات غير متوقعة. كذلك، فإن تصريحاته حول إمكانية توجيه ضربات صاروخية إلى عصابات المخدرات في المكسيك أثارت تساؤلات حول نهجه في استخدام القوة العسكرية.
بشكل عام، قد تشمل الفترة الثانية لترامب انسحابًا لبعض القوات الأمريكية من مناطق النزاع، لكنها قد تشهد أيضًا تصعيدًا عسكريًا دون استراتيجية طويلة المدى، مما يثير مخاوف بشأن استقرار المنطقة ومستقبل السياسة الخارجية الأمريكية.


