المقدمة
منذ عام 2003، أصبح العراق بيئة خصبة لنشوء وتطور العديد من الشبكات الاعلامية المختلفة والمتنوعة. ومن بين هذه الشبكات، تمكنت وسائل الإعلام القريبة من الغرب من الاستحواذ على حصة كبيرة في المشهد الاعلامي العراقي. منذ عام 2014 وحتى الآن، يُنتَج ويُبَثُّ برنامج ساخر بدعم رسمي من وكالة الأنباء الألمانية “دويتشه فيله”، ويُعرض كل يوم جمعة في الساعة التاسعة مساءً بتوقيت بغداد. وفقًا للاحصائيات، يُعد هذا البرنامج واحدًا من أكثر البرامج مشاهدةً في المجتمع العراقي المعاصر. يُعرف هذا البرنامج بـ”جمهورية البشير” أو “البشير شو”، وهو من تقديم “أحمد البشير” الذي بدأ نشاطه الرئيسي عبر منصة يوتيوب، ولكنه ينشط أيضًا في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي ويملك قاعدة جماهيرية واسعة.
ظهر “البشير شو” في عام 2014 بالتزامن مع تصاعد هجوم تنظيم داعش الذي اتخذ من الطائفية والحروب الدينية غطاءً لأعماله في العراق. حقق البرنامج في أولى حلقاته حوالي مليون ونصف مشاهدة، وقدم فريق العمل “البشير شو” نفسه بأن هدف البرنامج هو مكافحة الطائفية بكل أشكالها، بدءًا من الطائفية المجسدة في الأحزاب والشخصيات السياسية وصولًا إلى رجال الدين الذين يستخدمون الطائفية لضرب وحدة العراق.
عوامل نجاح وشعبية البشير شو
استطاع البرنامج الساخر العراقي “البشير شو”، الذي يقدمه الصحفي أحمد البشير، أن يتصدر قائمة البرامج من حيث عدد المشاهدات على يوتيوب، حيث يترقب مئات الأشخاص موعد بثه. يطرح البرنامج تساؤلات متعددة في المجتمع العراقي، ويدفع الناس أحيانًا لمواجهة الاحباطات التي تراكمت وجعلتهم يلزمون الصمت والتفكير. من بين الأسئلة المثيرة: هل ينبغي أن نستمر في العيش وسط هذا الكم من الدمار والفساد؟ يعتمد “البشير شو” على السخرية كأداة لنقل الأخبار والوقائع، وتمكن من كسر المحرمات وتجاوز الخطوط الحمراء باستخدام لغة قريبة من المواطنين، بما في ذلك اللهجة العامية والأمثال الشعبية. بالمقابل، تعتمد معظم الفضائيات التابعة للأحزاب السياسية على تقديم وجهات نظرها بعيدًا عن أي انتقاد لاذع، بينما يستفيد “البشير شو” من واقع المجتمع العراقي، مما يجعل نظرته الساخرة إلى القضايا المختلفة ذات جاذبية واسعة.
أهداف برنامج البشير شو
يقول أحمد البشير عن أهداف برنامجه: «نحن نسعى فقط لاضحاك العراقيين ومساعدتهم على تجاوز همومهم ومخاوفهم». وأضاف: «لقد ملَّ العراقيون من الطريقة التقليدية في تقديم الأخبار، ونحاول تقديمها بأسلوبنا الخاص ليضحكوا». أشار البشير إلى أن البرنامج يهاجم كل ما هو سلبي في العراق، ويسخر من المسؤولين والسياسيين الفاسدين وغير الكفوئين، وكذلك من الطائفيين والمتطرفين والجماعات المسلحة. من خلال هذه التصريحات، يمكن استنتاج الأهداف الحقيقية للبرنامج. حتى عام 2017، كان “البشير شو” يركز على السخرية من تنظيم داعش، ولكن بعد تلاشي التنظيم وتحوله إلى خلايا متفرقة، تغيرت محتويات البرنامج ليصبح أكثر تركيزًا على الفساد المستشري في العراق وانتقاد السياسيين العراقيين. مع بداية عام 2018، بدأ البرنامج بانتقاد فساد الأحزاب الشيعية المقربة من إيران بشكل علني، ومع انطلاق احتجاجات أكتوبر 2019 في المناطق ذات الأغلبية الشيعية في جنوب ووسط العراق، بلغت هذه الانتقادات ذروتها وتحولت إلى احتجاجات ميدانية. حتى أن ميزانية الحشد الشعبي لم تسلم من السخرية، حيث اتهم البرنامج الحشد الشعبي بإهدار الأموال العامة، رغم تأسيسه لحماية العراق من الجماعات الجهادية السلفية. بعد صدور فتوى الجهاد من المرجعية العليا، آية الله العظمى السيد السيستاني، التي دعت إلى مقاومة العدو التكفيري، تجند الشيعة ومعهم بعض الطوائف الأخرى والأقليات الدينية في العراق. أسس هذا الحدث لثقافة المقاومة في المجتمع العراقي، وأصبحت المقاومة ضد الظلم مطلباً رئيسياً. لكن مع انحسار آثار داعش، بدأت ثقافة المقاومة تتراجع تدريجيًا وتحل محلها الثقافة الغربية، لدرجة أن الجماعات المقاومة أصبحت عرضة للانتقاد والسخرية. يبدو أن “البشير شو” يسعى إلى تسريع هذه العملية المناهضة للمقاومة، مستفيدًا من نقاط الضعف الهيكلية في استخدام القوة الناعمة، ليس فقط في الجماعات المقاومة داخل العراق، بل في جبهة المقاومة بشكل عام، مما ساهم في نجاح برامج مثل “البشير شو”.


