الوعي الوطني وشعور الهوية في العراق بين ((صفوية )) ايران – وعثمانية تركيا

الوعي الوطني وشعور الهوية في العراق بين ((صفوية )) ايران – وعثمانية تركيا
يناقش النص أزمة الهوية الجمعية في ظل غياب موروث تاريخي موحّد، محذراً من الارتهان للماضي وتوظيفه كحل وحيد، ويدعو لتوظيف التاريخ كمصدر وعي وإلهام دون الوقوع في وهم استعادة أحداثه حرفياً أو الجمود عند رموزه....

لكلّ شعب من الشعوب، مجموعة من السمات ، تمثل جزءاً مكوناً مما يصّح إعادته الى موروثات تاريخية ، تسهم  في تشكّل ما يمكن تسميته بـ “الهوية” الشعورية، وهي في العادة تسبق بمراحل، مسألة الوعي الوطني والهوية بمعناها الحقوقي والدستوري.

“الهوية” الشعورية تلك، تستمدّ مقوماتها من موروثات حضارية – شفاهية أو مدوّنة –  تنتقل عبر المجتمع ، بدءاً  من الأسرة الصغرى ، مرورا بكلّ التجارب التي يمكن أن يمربها  الفرد منذ أيامه الأولى، حتى نضجه وعياً وفكراً وممارسة وتسلّماً لمواقع قيادية أو مسؤوليات مهمة أو ماشبه.

ولا يشترط بهذه الموروثات، أن يكون تأثيرها آليا ومتساوياً على جميع الأفراد، بل يتعلق  باستعداد خاصّ ومواصفات شخصية، حيث تعبّر تلك الموروثات عن نفسها بأشكال متعددة .

لكن ماذا لو لم يكن لذلك الشعب (موروثات) جمعية يخزنها تاريخ واحد متفق عليه ؟

ماذا لو كنا أمام تاريخ جديد لبلد يدخل وضعاً ملتبساً ؟ أو انبثاقه لتاريخ آخر لم نتمكن من صنعه ولا من محوه لنكتب غيره وفق مستجداتنا؟ ثم بأية لغة نقرأ مايحصل؟ ومن أي منظور نحدد علاقتنا به؟ أين تراها وقعت تلك الانعطافة التي قد تحدد مصائرنا وتترك بصماتها على حياتنا في الحاضر والمستقبل ؟

ولماذا تحولنا من فاعلين الى منفعلين نتشكّل كما يراد لنا، ونفقد من ثم سماتنا وخصائصنا الوطنية؟ أين الخطأ أو الخطيئة التي وقعنا بها ؟ وهل من إمكانية لتصويب وجهتنا وتعديل مسارنا لندخل طوراً أقلّ ضرراً؟

أسئلة تشدّنا برباط قلق، ذلك لأن تاريخنا كما حاضرنا،ليس مجرد أحداث وقعت وانتهت بتأثيراتها ومفاعيلها،بل كائن حي ما زال يفعل فعله في حياتنا، وإن نظرنا إليه من زوايا ومتجهات ، دائرية حيناً وحادّة أحياناً أخرى، فهو أحداث وشخوص وحركية مجتمعات من جهة، وهو وعي له سياقاته وظروفه التي دونتْ بقصدية أو بموضوعية، لكنه ينعكس علينا وعياً وسلوكاً.

ان الوعي مرتبط  بالثقافة والمصالح المعاصرة، ذلك لأن الجزء الحي من التاريخ، يستحضر دوما عند ملامسة الدواخل الفردية وما يمكن ان تنتجه من مسميات (طائفية – مذهبية – عرقية ) أما في مستوى الذاكرة الجمعية للعراق، فتكاد تذوب في سلسلة من الأحداث المتوالية والمختلف على شخوصها ووقائعها وحيثياتها ،حيث لا قادة مشتركين  يؤسسون لذاكرة وطنية، ولامعارك كبرى متفق على تسمياتها فتُذكر بأبطالها وقادتها، وهكذا يحضر التاريخ مقسّماً ومجزوءاً، لكن ليس على طريقة أولئك الذين يعتبرون المتغيرات التي يشهدها حاضرنا، إنما نتجت عن انحرافات في وعينا وسلوكياتنا، لذا ينبغي العودة إلى أمثلة السلف الصالح، ما ان  نستحضره رمزاً وفتاوى، حتى تحلّ كافة مشكلاتنا، ما صعب منها  وما استحال، وان تعذّر ذلك، فعلينا أن ندفع الى السلطة بقوى تحمل تلك المفاهيم، للوصول من ثم الى الحل المنشود.

بهذا المعنى ،فالتاريخ ليس حاضراً باعتباره نموذجاً قابلا للتطبيق، لكنه بمقتضى الخزين الثقافي الوجداني، يمكن استدعاؤه لينسحب على الحاضر بشكل مؤثر ، كمثال موقعة كربلاء التي تحولت الى قضية فكرية لمكوّن رئيس في العراق، إلا انه ينبغي تجنب الوقوع في وهم الاعتقاد بأن التاريخ وأحداثه لا يستلهم فقط،بل يمكن ان يستعاد بشكل حرفي، يحدث هذا حين تبرز إشكالية أمّة أو شعب مسكون بالتاريخ ، لأنه لا يملك حاضراً مستقراً يقود إلى مستقبل مزدهر، قياساً بتاريخ لم يعد ذلك الشعب يمتلك سواه،  لذا يستجلب الأحداث التاريخية كنوع من معادل موضوعي ، كي لا تُستلب ذواته بكليتها .

اننا قابعون تحت عباءة التاريخ، نخشى  مغادرته كي لا ندخل المجهول، التاريخ هنا بمعنى الحدث التاريخي، لا كسيرورة إنسانية لأمّة أعطت مالديها، ومشكلات تاريخنا لا تقلّ هولاً عن مشكلات حاضرنا، انما الموقع والموقف الاستراتيجي كان مختلفاً.——-  يتبع ..حقل الشرق البوار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *