انقطاع الغاز الإيراني عن العراق: أزمة متكررة تكشف هشاشة القرار الطاقوي

انقطاع الغاز الإيراني عن العراق: أزمة متكررة تكشف هشاشة القرار الطاقوي
يُحلّل المقال انقطاع الغاز الإيراني بوصفه أزمة بنيوية تكشف ارتهان القرار الطاقوي العراقي، وفشل استثمار الغاز المصاحب، واعتماد الدولة على إدارة الأزمات بدل بناء سيادة طاقوية مستدامة...

الأزمة ليست طارئاً تقنياً بل اختلالاً بنيوياً

إعلان وزارة الكهرباء توقف إمدادات الغاز الإيراني بالكامل لا يمكن التعامل معه كطارئ تقني عابر، بل كأزمة سياسية–اقتصادية متكررة تعكس هشاشة القرار الطاقوي العراقي وسوء إدارته. خسارة ما بين 4000 و4500 ميغاوات دفعة واحدة تعني عملياً انهيار جزء مهم من منظومة التجهيز، وتراجعاً حاداً في ساعات الكهرباء حتى في فصل الشتاء، ما يفضح حجم الارتهان لمصدر خارجي واحد دون أي هامش أمان وطني.

التكرار الموسمي لنقص الغاز داخل إيران

هذه الأزمة ليست مفاجئة لا في توقيتها ولا في أسبابها. نقص الغاز الإيراني يتكرر سنوياً مع ارتفاع الاستهلاك الداخلي داخل إيران خلال فصول الذروة، حيث تُقدّم طهران احتياجاتها المحلية على التزاماتها التصديرية. ورغم أن إيران تنتج قرابة 250 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، فإن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يُستهلك داخلياً في إطار سياسات الاكتفاء الذاتي، ما يدفعها عند أي ضغط إلى تقليص أو إيقاف الصادرات، والعراق يدفع الثمن دون أي قدرة على الاعتراض أو المناورة.

جوهر المشكلة: خيار عراقي بلا بدائل استراتيجية

المشكلة الأعمق لا تكمن في السلوك الإيراني، بل في الخيار العراقي ذاته. على مدى أكثر من عقد، بُنيت منظومة كهربائية كاملة على افتراض استمرار تدفق الغاز الإيراني، دون أن تُبنى بدائل استراتيجية حقيقية. كل إشعار تقليص من طهران يتحول فوراً إلى أزمة وطنية، ما يعني أن القرار الطاقوي العراقي ما زال فاقداً للاستقلال، وخاضعاً لحسابات سياسية وفنية خارج سيطرة الدولة.

البعد الأميركي والاستثناءات غير المستقرة

يزداد المشهد تعقيداً مع البعد الأميركي. فالولايات المتحدة طالبت مراراً باستقلال العراق في ملف الطاقة، لكنها في الوقت نفسه منحت استثناءات مؤقتة لاستيراد الغاز الإيراني كانت تُجدَّد كل ستة أشهر. ومع تغيّر الإدارات الأميركية وتبدّل أولوياتها، أصبحت هذه الاستثناءات أقل استقراراً، ما كشف خطورة ربط أمن الطاقة العراقي بتفاهمات سياسية متقلبة لا تُدار من بغداد.

الإدانة الأكبر: إحراق الغاز المصاحب بدل استثماره

ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار حقيقة أن العراق غير قادر حالياً على الاستغناء عن الغاز الإيراني، لأنه لا ينتج الكميات المطلوبة لتشغيل محطاته. لكن هذه الحقيقة تتحول إلى إدانة صريحة عندما نعلم أن العراق يحرق ويهدر نحو 45% من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، ليكون ثالث أكثر دولة في العالم إحراقاً للغاز بعد روسيا وإيران. حرق نحو 18 مليار متر مكعب سنوياً ليس خللاً تقنياً، بل فشلاً سياسياً وتخطيطياً فادحاً تتحمل مسؤوليته الحكومات المتعاقبة ووزارتا النفط والكهرباء.

الوقود السائل: إدارة أزمة لا إدارة قطاع

لجوء وزارة الكهرباء إلى الوقود السائل كبديل مؤقت يعكس إدارة أزمة لا إدارة قطاع. هذا الخيار أعلى كلفة، أقل كفاءة، وأكثر تلويثاً، ويؤدي إلى استنزاف عمر المحطات التوليدية. أي أن الدولة تؤجل الانهيار ولا تمنعه، وتراكم خسائر مالية وفنية على منظومة تعاني أصلاً من سوء التخطيط والفساد وضعف المحاسبة.

إنذار سيادي أخير لا أزمة موسمية

أزمة انقطاع الغاز الإيراني يجب أن تُفهم بوصفها إنذاراً سياسياً أخيراً، لا مجرد خلل موسمي. الاستمرار في سياسة إدارة الطوارئ يعني القبول بدولة عاجزة عن تأمين أبسط حقوق مواطنيها. المطلوب قرار سيادي واضح: استثمار جدي ومُلزم للغاز المصاحب، جدول زمني معلن لتقليل الاستيراد، وتنويع مصادر الطاقة مرحلياً بعيداً عن الارتهان لمحور واحد. من دون ذلك، ستبقى كل أزمة غاز مقدمة لأزمة كهرباء، وكل موسم اختباراً جديداً لفشل الدولة في إدارة ملف هو في جوهره ملف سيادة قبل أن يكون ملف طاقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *