تفكيك “بنية الفساد” في العراق: بين المعالجة الجذرية والحسابات الدولية

تفكيك بنية الفساد في العراق بين المعالجة الجذرية والحسابات الدولية
يناقش المقال بنية الفساد المؤسسي في العراق، ودور المحاصصة وشركات الواجهة، والاهتمام الأمريكي، ومتطلبات المعالجة الجذرية واسترداد المال العام...

تفكيك بنية الفساد في العراق

يتطلب تفكيك بنية الفساد في العراق تجاوز محاسبة الأفراد الصغار. فالمشكلة تحولت إلى منظومة مؤسسية وسياسية متكاملة.

ولم يعد الفساد الأكبر مجرد سلوك فردي منحرف. بل أصبح شبكة واسعة من المصالح والعلاقات والحماية السياسية.

كما أنتجت هذه المنظومة شركات واجهة معقدة. وترتبط تلك الشركات بقوى وأحزاب نافذة.

وتستخدم هذه الشبكات نفوذها للسيطرة على العقود العامة. كما توظف المؤسسات لحماية مصالحها المالية والسياسية.

لذلك، يجب أن تستهدف أي معركة حقيقية البنية الهيكلية المنتجة للفساد.

من صغار الموظفين إلى الرؤوس الكبيرة

لا يكفي أن تحاسب الدولة صغار الموظفين. كما لا يكفي توقيف بعض المسؤولين التنفيذيين.

فقد عمل كثير من هؤلاء تحت غطاء سياسي واضح. وقد نفذوا قرارات تخدم شبكات أكبر منهم.

لذلك، يجب الوصول إلى الرؤوس الكبيرة التي أدارت هذه المنظومة.

كما ينبغي تحديد الجهات التي وفرت الحماية السياسية والإدارية للمتورطين.

وتحتاج هذه المهمة إلى إجراءات قضائية جادة ومستمرة.

كما تحتاج إلى تحقيقات مهنية تستند إلى الأدلة والوثائق.

ويجب أن تنتهي الإجراءات باسترداد المال العام. ولا ينبغي أن تتحول إلى استعراض إعلامي مؤقت.

الفساد المؤسسي وشركات الواجهة

تؤدي شركات الواجهة دوراً أساسياً داخل منظومة الفساد.

فهي تحصل على العقود العامة تحت أسماء تجارية مختلفة.

لكنها قد ترتبط فعلياً بأحزاب أو شخصيات نافذة.

كما تستخدم هذه الشركات وسطاء لإخفاء المستفيد الحقيقي من العقود.

وقد تسمح هذه الآلية بتحويل الأموال العامة إلى مصالح حزبية وشخصية.

لذلك، لا يكفي فحص التنفيذ المالي للعقود.

بل يجب الكشف عن الملكية الحقيقية للشركات المتعاقدة.

كما ينبغي مراجعة العلاقات بين الشركات والمسؤولين والقوى السياسية.

واشنطن والحملات العراقية

في المقابل، لا تنظر واشنطن إلى هذه الحملات كقضية عراقية صرفة.

وتؤكد الحكومة العراقية أن تحركاتها تنبع من إرادة وطنية.

كما تنفي ارتباط إجراءاتها المباشر بأي ضغوط خارجية.

ومع ذلك، تراقب الولايات المتحدة هذه العمليات باهتمام واضح.

كما ترغب في توسيع نطاقها لتشمل جذور الفساد.

ومن وجهة النظر الأمريكية، تتمثل هذه الجذور في زعامات سياسية وقوى نافذة.

ولذلك، لا تريد واشنطن استهداف الأغصان وترك الجذور.

طبيعة الاهتمام الأمريكي

أعتقد أن الاهتمام الأمريكي يتركز على الفساد السياسي والمالي المنظم.

كما يهتم بالفساد الذي يخدم أطرافاً إقليمية.

ويرتبط هذا التركيز، تحديداً، بقوى وفصائل مقربة من إيران.

وتعتقد واشنطن أن بعض هذه الجهات تساعد طهران على تجاوز العقوبات.

لذلك، تتعامل الولايات المتحدة مع هذا النوع من الفساد كملف أمني وسياسي.

ولا تنظر إليه باعتباره مشكلة إدارية عراقية فقط.

تهريب الدولار والالتفاف على العقوبات

يتجلى هذا الملف، وفق الرؤية الأمريكية، في تهريب الدولار العراقي.

كما يظهر في استخدام التحويلات المالية لإيصال الأموال إلى جهات خارجية.

وتعتقد واشنطن أن بعض الشبكات تستغل النظام المصرفي العراقي.

كما ترى أنها تستخدمه لتخفيف أثر العقوبات المفروضة على إيران.

ولهذا، تضغط الولايات المتحدة لزيادة الرقابة على المصارف والتحويلات.

كما تطالب العراق بإغلاق القنوات المستخدمة في تهريب العملة.

النفط العراقي والإيراني

تشمل الرؤية الأمريكية أيضاً ملف النفط.

فواشنطن تشتبه في خلط النفط العراقي بالنفط الإيراني.

ويهدف هذا الخلط، بحسب هذه الرؤية، إلى تسهيل تهريب النفط الإيراني.

كما قد يسمح بتسويقه تحت غطاء قانوني مختلف.

ولهذا، تنظر واشنطن إلى شبكات النفط باعتبارها جزءاً من الفساد السياسي.

كما تراها أداة للالتفاف على العقوبات الاقتصادية.

ويجعل ذلك الملف أكثر حساسية من الفساد الإداري التقليدي.

الفساد المسيس وأولويات واشنطن

تحارب واشنطن الفساد المسيس بشدة أكبر.

فهذا الفساد يمنح إيران متنفساً اقتصادياً مهماً.

كما يسمح لبعض القوى الإقليمية بالحفاظ على مصادر تمويلها.

ومع ذلك، ترحب الولايات المتحدة بأي خطوة إصلاحية عراقية من حيث المبدأ.

فهي ترى أن تحسين الشفافية يدعم استقرار النظام المالي.

كما يقلل مخاطر الجريمة المنظمة وغسل الأموال.

لكنها تعتقد أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يصل إلى الجذور.

حماية الأموال العراقية

يعكس الأمر التنفيذي الذي وقعه جورج بوش الابن جانباً من هذا الاهتمام.

فقد هدف القرار إلى حماية الأموال العراقية المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي.

كما سعى إلى منع تعرضها لملاحقات قضائية خارجية.

ويقدم مؤيدو هذا الرأي القرار دليلاً على دعم الاستقرار الاقتصادي العراقي.

ومع ذلك، لا تحل حماية الأموال مشكلة الفساد الداخلي.

فالحل يتطلب إصلاح المؤسسات المنتجة للخلل.

كما يتطلب محاسبة الجهات التي تستنزف المال العام.

المحاصصة بوصفها البيئة الحاضنة

يمثل نظام المحاصصة الجرح الأعمق في البيئة السياسية العراقية.

كما يشكل الحاضنة الأساسية لإعادة إنتاج الفساد.

فالأحزاب تفرض كثيراً من المسؤولين على رئيس مجلس الوزراء.

وغالباً تقدم الشخصيات القادرة على حماية مصالحها الخاصة.

ويحدث ذلك أحياناً على حساب المصلحة الوطنية العليا.

وبذلك، يتحول المنصب العام إلى حصة سياسية.

كما يصبح المسؤول مرتبطاً بالحزب أكثر من ارتباطه بالدولة.

المحاصصة وحماية المصالح الحزبية

تسمح المحاصصة للأحزاب بالسيطرة على الوزارات والمؤسسات.

كما تمنحها القدرة على توجيه العقود والتعيينات.

وقد تستخدم بعض الأحزاب هذه المؤسسات لتمويل نشاطها.

كما قد توظفها لتعزيز نفوذها السياسي والاجتماعي.

ومن هنا، لا ينتج الفساد عن ضعف الأفراد فقط.

بل ينتج عن نظام يمنح الحماية للمسؤول الفاسد.

لذلك، يمثل تفكيك المحاصصة الخطوة الأولى لأي إصلاح حقيقي.

استعادة الثقة بالنظام السياسي

من وجهة نظري، تمثل العملية الحكومية محاولة لاستعادة الثقة بالنظام السياسي.

كما يشارك مجلس القضاء الأعلى في هذا المسار.

فقد خسر النظام جزءاً كبيراً من شرعيته الشعبية.

وجاء ذلك نتيجة تفشي الفساد وسوء الإدارة.

كما أسهم ضعف الخدمات في تعميق أزمة الثقة.

لذلك، يحتاج النظام إلى إجراءات واضحة وملموسة.

ولا تستطيع التصريحات وحدها معالجة هذا التراجع.

موقف الشارع العراقي

يتطلع الشارع العراقي إلى إجراءات قوية ضد الفساد.

كما يريد رؤية المحاسبة تطال المتورطين الحقيقيين.

لكن الدعم الشعبي يبقى مشروطاً باستمرار الحملة.

كما يرتبط بعدم استثناء أي جهة أو شخصية.

فإذا اقتصرت الإجراءات على خصوم سياسيين، ستفقد مصداقيتها.

أما إذا شملت الجميع، فقد تستعيد ثقة المجتمع.

ومن هنا، تمثل العدالة الشاملة شرطاً لنجاح الحملة.

المؤسسات المالية الدولية

قد ترتبط العملية أيضاً بمتطلبات المؤسسات المالية الدولية.

فالعراق يسعى إلى تعزيز تعاونه مع صندوق النقد الدولي.

كما يحتاج إلى معالجة تحديات مالية واقتصادية متراكمة.

ويتطلب هذا التعاون خطوات عملية في مكافحة الفساد.

كما يتطلب تحسين الحوكمة والشفافية المالية.

ولذلك، قد تساعد الإجراءات الحالية في تحسين صورة العراق المؤسسية.

كما قد ترفع قدرته على التفاوض مع المؤسسات الدولية.

تجربة الحرب ضد داعش

تكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية عند استحضار تجربة الحرب ضد داعش.

فقد واجه العراق خلال تلك المرحلة أزمة مالية وأمنية كبيرة.

كما حصل على دعم من المجتمع الدولي.

وكان صندوق النقد الدولي من الجهات الداعمة للعراق.

وقد ساعد ذلك الدعم بغداد على تجاوز جزء من أزمتها المالية.

ومن هنا، يدرك العراق أهمية الثقة الدولية.

كما يدرك أن الفساد يضعف فرص الحصول على الدعم الخارجي.

زيارة رئيس مجلس الوزراء إلى واشنطن

قد تشكل زيارة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي إلى واشنطن فرصة سياسية.

فالحكومة تستطيع عرض إجراءاتها ضد الفساد خلال الزيارة.

كما يمكنها إظهار جديتها أمام الإدارة الأمريكية.

وقد تساعد هذه الخطوات في تعزيز الثقة الدولية بالحكومة.

كما قد تدعم موقف العراق في المفاوضات المالية والسياسية.

لكن نجاح هذه الرسالة يتطلب نتائج حقيقية على الأرض.

فالشركاء الدوليون لا يكتفون بالإعلانات والخطابات.

بين الاعتبارات الوطنية والدولية

لا تنفصل مكافحة الفساد عن الحسابات الدولية.

لكن ذلك لا يعني أن العراق يجب أن يعمل وفق الإملاءات الخارجية.

فالإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من المصلحة الوطنية.

كما يجب أن تحكمه المؤسسات الدستورية والقضائية العراقية.

وفي الوقت نفسه، يحتاج العراق إلى التعاون الدولي.

خصوصاً في تتبع الأموال والشركات والتحويلات الخارجية.

لذلك، يجب الجمع بين استقلال القرار والتعاون القضائي الدولي.

تغيير الأفراد لا يكفي

يبقى توجيه الجهد نحو البنى الأساسية أهم من ملاحقة الأشخاص وحدهم.

فقد تعتقل الدولة مسؤولاً فاسداً وتستبدله بمسؤول آخر.

لكن البيئة نفسها قد تنتج السلوك ذاته من جديد.

كما تستطيع الشبكات نقل نفوذها إلى شخصيات جديدة.

ولهذا، لا يمثل تغيير الوجوه إصلاحاً كاملاً.

بل يجب تغيير القواعد والآليات والمؤسسات.

كما يجب إنهاء الحماية السياسية التي تسمح باستمرار الفساد.

إصلاح العقود والمناقصات

يبدأ تفكيك البنية بإصلاح نظام العقود العامة.

كما يتطلب نشر معلومات المناقصات بصورة شفافة.

ويجب الكشف عن الشركات المستفيدة ومالكيها الحقيقيين.

كما ينبغي مراقبة مراحل الإحالة والتنفيذ والتسليم.

ويحتاج العراق إلى مؤسسات مستقلة لتقييم العقود الكبرى.

كما يجب منع تضارب المصالح بين المسؤولين والشركات.

ومن دون هذه الإجراءات، ستبقى العقود مصدراً أساسياً للفساد.

استقلال القضاء والرقابة

لا يمكن تفكيك منظومة الفساد دون قضاء مستقل.

فالقضاء يحتاج إلى الحماية من الضغوط الحزبية والسياسية.

كما تحتاج الأجهزة الرقابية إلى صلاحيات فعلية.

ويجب أن تتمكن من الوصول إلى الوثائق والحسابات.

كما ينبغي حماية المحققين والشهود والمبلغين عن الفساد.

فالشبكات الكبيرة تستطيع ترهيب خصومها أو تعطيل التحقيقات.

لذلك، تمثل الحماية القانونية جزءاً من المعالجة الجذرية.

استرداد المال العام

يجب أن تنتهي التحقيقات باسترداد الأموال المنهوبة.

فالمحاسبة دون استعادة المال تبقى ناقصة.

كما يجب تتبع الأصول داخل العراق وخارجه.

ويتطلب ذلك تعاوناً مصرفياً وقضائياً مع الدول الأخرى.

كما ينبغي تجميد الحسابات والعقارات المرتبطة بالأموال غير المشروعة.

لكن الاسترداد يجب أن يجري وفق القانون والأدلة.

ولا يجوز استخدامه أداة للانتقام السياسي.

من الحملة إلى المسار المؤسسي

تنجح الإجراءات عندما تتحول إلى مسار مؤسسي دائم.

فالحملات المؤقتة قد تحقق تأثيراً إعلامياً سريعاً.

لكنها لا تستطيع إنهاء منظومة عميقة وحدها.

لذلك، تحتاج الحكومة إلى برنامج طويل الأمد.

كما تحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس التقدم.

ويجب نشر نتائج التحقيقات والأموال المستردة بشفافية.

فالمجتمع يحتاج إلى معرفة ما تحقق فعلياً.

خاتمة: الجذور قبل الأغصان

في المحصلة، لا يمكن مكافحة الفساد عبر استهداف الأغصان فقط.

فالمشكلة تكمن في الجذور السياسية والمؤسسية العميقة.

وتتمثل هذه الجذور في المحاصصة وشركات الواجهة والحماية الحزبية.

كما ترتبط بشبكات مالية وإقليمية ودولية معقدة.

لذلك، يجب أن تصل المعالجة إلى الرؤوس الكبيرة.

كما ينبغي إصلاح العقود والقضاء والرقابة والنظام المصرفي.

فملاحقة الأشخاص مهمة، لكنها لا تكفي وحدها.

أما تفكيك البيئة المنتجة للفساد، فهو الطريق الحقيقي للإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *