نزع سلاح الفصائل العراقية: بين القرار السيادي وضغوط الإقليم

نزع سلاح الفصائل العراقية: بين القرار السيادي وضغوط الإقليم
يتناول النص إشكالية نزع سلاح الفصائل في العراق بعد داعش بوصفها أزمة سيادية–إقليمية، حيث يتقاطع الإجماع المبدئي مع خلافات التنفيذ، وضغوط أمريكية–إسرائيلية، وتأثير القرار الخارجي، ما يجعل تأجيل الحسم خيارًا مكلفًا يهدد استقرار الدولة....

إشكالية ما بعد داعش: السلاح والدولة

تُعدّ مسألة نزع سلاح الفصائل المسلحة في العراق من أعقد الملفات السياسية والأمنية في مرحلة ما بعد “داعش”، ليس لأنها قضية أمنية فقط، بل لأنها تمسّ جوهر الدولة، وطبيعة النظام السياسي، والعلاقة الإشكالية بين العمل السياسي والقوة المسلحة، خصوصًا داخل البيت الشيعي.

المبدأ محل إجماع… والتنفيذ موضع خلاف

من حيث المبدأ، لا خلاف على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. فقد دعت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بوضوح إلى ضبط السلاح ومنع ازدواجيته، وهو موقف تبنته غالبية القوى السياسية، وورد في برامج الحكومات العراقية المتعاقبة منذ إعلان النصر على تنظيم داعش عام 2017. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في المبدأ، بل في آليات التنفيذ وتوقيته والسياق المحيط به.

الإحراج السياسي داخل البيت الشيعي

يمثل هذا الملف إحراجًا كبيرًا للقوى السياسية الشيعية، لأنه يضعها أمام معادلة شديدة الحساسية: التزامات الدولة ومتطلبات السيادة من جهة، وعلاقات مع فصائل مسلحة تشكّلت في ظروف استثنائية، ثم تحولت إلى فاعل سياسي–أمني مؤثر من جهة أخرى. ورغم تحميل قوى “الإطار التنسيقي” مسؤولية هذا الملف، فإن اختزاله ضمن هذا الإطار يُعد تبسيطًا مخلًا، لأن القضية أعمق من قدرة أي تحالف سياسي على الحسم المنفرد.

البعد العقائدي وتأثير القرار الخارجي

تُشير تحليلات سياسية إلى أن جزءًا من الفصائل المسلحة يتبنى مرجعية سياسية–عقائدية قائمة على مفهوم “ولاية الفقيه”، ما يجعل قراره الاستراتيجي متأثرًا بمراكز قرار خارج العراق. هذا لا يعني تبعية تنظيمية مباشرة بالمعنى القانوني، لكنه يحدّ من استقلالية القرار الوطني، ويحوّل مسألة نزع السلاح من شأن داخلي إلى ملف ذي أبعاد إقليمية واضحة.

لماذا الآن؟ التوقيت والسياق الإقليمي

من هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يُعاد طرح ملف نزع السلاح بهذا الزخم في هذا التوقيت؟ الإجابة ترتبط بالسياق الجيوسياسي الأوسع. فالمنطقة تشهد تصعيدًا متزايدًا في الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على إيران، في ظل اعتبار الفصائل المسلحة في العراق جزءًا من شبكة نفوذ إيرانية إقليمية.

العراق كساحة اشتباك محتملة

ومع تصاعد احتمالات المواجهة بين إيران وإسرائيل، يبرز العراق بوصفه ساحة اشتباك محتملة، سواء عبر ضربات مباشرة أو عمليات استباقية. وتشير تقديرات دبلوماسية إلى تحذيرات من أن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تجعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من مخاطر فوضى أمنية وانهيار سياسي يصعب احتواؤه. في هذا الإطار، يصبح ملف سلاح الفصائل عامل ضغط مباشر على الدولة العراقية، لا قضية نظرية مؤجلة.

المقاربة الأمريكية وإعادة طرح DDR

يتقاطع ذلك مع التوجه الأمريكي المتجدد، الذي يظهر بوضوح في موازنة الدفاع الأمريكية (NDAA)، نحو إعادة تفعيل مقاربة DDR (نزع السلاح، التسريح، وإعادة الدمج) في الدول الهشّة. هذه المقاربة لا تُطرح كتدخل مباشر، بل كإطار ضغط سياسي–أمني طويل الأمد، يهدف إلى منع ازدواجية السلاح والقرار، وتعزيز استقرار الدول التي تعاني من تعدد القوى المسلحة خارج السيطرة الرسمية. وفي الحالة العراقية، يُفهم هذا التوجه كرسالة مفادها أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولًا دوليًا.

التحول في المزاج السياسي الشيعي

داخليًا، يلاحظ تحوّل نسبي في المزاج السياسي الشيعي، لا سيما لدى القوى التي حققت مكاسب انتخابية كبيرة، باتجاه تبنّي خيار حصر السلاح بيد الدولة. هذا التحول لا ينطلق من قناعة مبدئية فقط، بل من إدراك متزايد بأن إدارة الدولة لا يمكن أن تستقيم في ظل ازدواجية السلاح، وأن استمرار هذا الواقع يهدد شرعية النظام السياسي ويضعف قدرة العراق على حماية سيادته وتجنّب صراعات لا طاقة له بها.

الخلاصة: تأجيل الحسم وكلفة المستقبل

خلاصة القول، إن ملف نزع سلاح الفصائل العراقية لم يعد ملفًا أمنيًا داخليًا فحسب، بل عقدة إقليمية مرتبطة بتوازنات إيرانية–أمريكية–إسرائيلية، وبقدرة الدولة العراقية على المناورة بين حماية سيادتها وتجنّب الانجرار إلى حروب بالوكالة. الخيارات المطروحة، بين الاحتواء المرحلي أو إعادة الهيكلة أو الدمج المشروط، جميعها صعبة، لكن المؤكد أن تأجيل الحسم لم يعد خيارًا مستدامًا، بل ترحيلًا لأزمة مرشحة لأن تكون أكثر كلفة في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *