حين تتكلم الجغرافيا وينتصر التاريخ .. لماذا سعت إسرائيل إلى إنهاء الحرب مع ايران؟

حين تتكلم الجغرافيا وينتصر التاريخ .. لماذا سعت إسرائيل إلى إنهاء الحرب مع ايران؟
الفرق بين إيران وإسرائيل لا يكمن في القدرات العسكرية فقط، بل في الجغرافيا. تمتلك إيران عمقًا استراتيجيًا، بينما إسرائيل تعاني من مساحة جغرافية محدودة، ما يجعلها تحت ضغط دائم، ويُصعب عليها تحمل الحروب الطويلة....

ليست كل الحروب تُحسم بعدد الصواريخ ولا بحجم الخطاب السياسي، فثمة عامل صامت لكنه حاسم لا يمكن الالتفاف اليه الا وهو الجغرافيا.

وعندما تتكلم الجغرافيا، تسقط كثير من الأوهام التي تصنعها الدعاية، ويتعرّى ميزان القوة الحقيقي بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.

الفارق بين إيران وإسرائيل ليس مجرد اختلاف في القدرات العسكرية، بل اختلاف في طبيعة المكان ذاته.

إيران تمتد على مساحة قارية تقارب مليوناً وستمئة ألف كيلومتر مربع، فيما ينحصر الكيان الإسرائيلي في شريط جغرافي ضيق لا يتجاوز اثنين وعشرين ألف كيلومتر مربع.

هذا التباين الهائل يمنح الطرف الأول عمقاً استراتيجياً وقدرة على امتصاص الضربات والمناورة والاستمرار، بينما يضع الطرف الثاني تحت ضغط دائم يجعل أي مواجهة طويلة تهديداً وجودياً لا يمكن تجاهله.

خلال تطورات الحرب الأخيرة، لم يكن التحول الأبرز في عدد الضربات، بل في نوعيتها.

الانتقال إلى استخدام صواريخ دقيقة بأعداد محدودة، قادرة على إصابة أهدافها بفعالية عالية، حمل رسالة نفسية وعسكرية واضحة ولم يعد الاستنزاف قائمًا على الكثافة، بل على الدقة.

هذا التحول أحدث ارتباكاً داخل العمق الإسرائيلي، انعكس في تعطّل الحياة اليومية، وتزايد القلق الشعبي، وحركة مغادرة لافتة من المدن الكبرى، وعلى رأسها تل أبيب.

في كيان يقوم اقتصاده على الاستقرار، وتستند صورته الردعية إلى الإحساس بالأمن الداخلي، تصبح الحرب الطويلة عبئاً يفوق القدرة على الاحتمال.

فالبنية التحتية، مهما بلغت من تطور، تبقى هشّة حين تُوضع تحت ضغط نفسي واقتصادي متواصل، وفي مساحة جغرافية محدودة لا توفر مجالاً للمناورة أو امتصاص الصدمات.

من هنا، لم يكن السعي الإسرائيلي إلى إنهاء الحرب نابعاً من ضعف في الخطاب السياسي أو تراجع في الإرادة المعلنة، بل نتيجة عجز استراتيجي فرضته معادلة المكان والزمن.

فالدولة التي تفتقر إلى العمق الجغرافي لا تستطيع تحمل الاستنزاف، ولا تملك ترف الحروب المفتوحة، مهما بدت قوية في بدايتها.

في النهاية، قد تُدار الحروب بالسلاح، لكنها تُحسم غالباً بالجغرافيا.

ومن لا يصغي إلى هذه الحقيقة، يكرر أخطاءه، ولو امتلك أحدث الترسانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *