الخسارة كبيرة والفقد موجع والفراق مؤلم ومحزن.
ذلك هو حالنا وحال جميع الموالين المخلصين لولاية أهل البيت (عليهم السلام) وهم يودّعون قائداً ومربّياً ترك بصمته في وجدان أتباعه قبل أن يتركها في ميادين السياسة والفكر.
وفي لحظات الوداع كانت الدموع أبلغ من الكلمات ، فمن يشاهد قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وهم يبكون بحرقة وترتجف أكتافهم ورؤوسهم من شدة التأثر، يدرك أن ما جرى بالنسبة لهم ليس مجرد رحيل شخصية سياسية، بل فقدان رمزٍ عاش معهم عقوداً وشاركهم صناعة المحطات الكبرى وحمل معهم أعباء المسؤولية في أصعب الظروف.
إن مشاهد الحزن العميق لا تعبّر فقط عن علاقة قائد بمسؤوليه وإنما تكشف عن رابطة روحية وعاطفية وفكرية تشكّلت عبر سنوات طويلة من المعايشة والمواقف المشتركة حتى أصبح الفراق بالنسبة لمحبيه فاجعةً يصعب تجاوزها.
رحم الله الراحل وألهم شعبه ومحبيه وأهله الصبر والسلوان، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
الأبعاد الطقوسية والهوياتية والسياسية لتشييع السيد الشهيد علي الخامنئي
لم تقتصر تداعيات استشهاد السيد الخامنئني ( رض) على الجانب الأمني أو السياسي، بل تجاوز تذلك لتلامس البنية الرمزية والدينية والوجدانية لدى شرائح واسعة من المسلمين، ولا سيما أولئك الذين يرون فيه مرجعاً دينياً وقائداً سياسياً ارتبط اسمه بقضايا إقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومحور المقاومة.
وفي هذا السياق فإن إقامة مراسم تشييع له في العراق ولا سيما في النجف الأشرف و كربلاء ستكون ذات دلالات تتجاوز مفهوم التشييع التقليدي، لتغدو حدثاً مركباً تتداخل فيه الأبعاد الدينية والرمزية والسياسية والإقليمية.
أولًا: البعد الطقوسي والرمزي
تحتل النجف الأشرف مكانة استثنائية في الوجدان الشيعي بوصفها حاضنة لمرقد الإمام علي بن أبي طالب ( ع) ، ومركزاً تاريخياً للمرجعية الدينية والحوزة العلمية.
لذلك فإن مرور جنازة شخصية دينية بارزة عبر هذه المدينة سيُنظر إليه بوصفه فعلاً رمزياً يعكس الارتباط بالتراث الديني والمرجعي ويستحضر ثقافة الوفاء والعزاء والشعائر المرتبطة بالشهادة والفقد.
أما كربلاء بما تمثله من رمزية مرتبطة بواقعة الطف فقد تُضفي على الحدث لدى كثير من المشاركين بعداً وجدانياً يستند إلى مفاهيم التضحية والثبات والصمود وهو ما يجعل الطقوس الدينية حاضرة بقوة في تشكيل معنى الحدث بالنسبة إلى جمهور واسع.
ثانيًا: البعد الهوياتي
لن يكون الحدث مجرد مراسم جنائزية، بل يتحول إلى مناسبة لإعادة التعبير عن الانتماءات والهويات السياسية والدينية لدى مختلف الأطراف وتثبيت الولاء لمنهج ال البيت عليهم السلام في رفض الظلم والتحرر من العبودية .
المؤيدين والمحبين والمخلصين ، يمثل التشييع تأكيداً لاستمرار نهج سياسي وفكري يرونه مرتبطاً بالدفاع عن قضايا الأمة .
ثالثاً: البعد السياسي والإقليمي
ان اغتيال شخصية بهذا المستوى احدث ارتدادات سياسية واسعة في الإقليم نظراً لما تمثله ايران وقيادة الشهيد لها من ثقل في معادلات الشرق الأوسط.
التشييع يتحول إلى مناسبة تحمل رسائل متعددة، منها:
- إظهار حجم الحضور الشعبي والرمزي للشخصية.
- التأكيد على استمرار المؤسسات والتيارات التي يمثلها.
- توجيه رسائل سياسية إلى الأطراف الإقليمية والدولية بشأن توازنات المنطقة.
رابعاً: مكانة العراق في هذا المشهد
يحتل العراق موقعاً خاصاً في العالم الإسلامي لما يجمعه من رمزية دينية وتاريخية وسياسية، فضلاً عن احتضانه العتبات المقدسة والمدارس العلمية العريقة.
حدث بهذا الحجم يمنح العراق دوراً محورياً بوصفه فضاءً يلتقي فيه البعد الديني مع البعد السياسي ويبرز مكانته في الوجدان الإسلامي لدى ملايين الزائرين ويعطيه زخماً مؤيدا ومحباً وملتزماً بتضحيات قادة الدين والمراجع ضد الاستكبار العالمي .
ينبغي أن نميّز بين البعد الرمزي والبعد السياسي، وأن ندرك أن الشخصيات ذات الثقل الديني والسياسي لا تقتصر آثار غيابها على حدود الدولة التي تنتمي إليها، بل تمتد إلى دوائر أوسع من التأثير الإقليمي والفكري والعقائدي لما له تاثير على الشعوب التواقة للحرية والخلاص من الهيمنة الاستعمارية والظلم الدولي .
إن مراسم التشييع في العراق ستكون، بالنسبة إلى كثيرين، مناسبة ذات حمولة دينية ورمزية كبيرة، ومن ثم فإن دلالات الحدث ستبقى محل قراءات متعددة، وابعاد كثيرة تختلف باختلاف الخلفيات الفكرية والسياسية ، وهذا ماتابعناه اثناء العدوان على جمهورية ايران الاسلامية وردود الافعال على المستوى العالمي والاسلامي لكننا على يقين بان التغيرات التي احدثتا ايران في التصدي للعدوان منحت الدول المستضعفة موقفا وقوة بدل الاستسلام للهيمنة الاستعمارية وسلب حقوق الشعوب وان هذه الشعوب واولها الشعب الايراني سينتصر في ظل القيادة الحكيمة التي ارسى دعائمها السيد الشهيد الخامنئي حينما جاد بدمه لتثبيت المعادلة والنصر على الاعداء .


