بين البراغماتية والقوة الرمزية إيران وتركيا ونموذجان متباينان في صناعة الشرعية السياسية

القوة الرمزية والبراغماتية في شرعية إيران وتركيا
قراءة في نموذجين متباينين لصناعة الشرعية السياسية؛ إيران عبر القوة الرمزية، وتركيا عبر البراغماتية وإدارة التوازنات....

القوة الرمزية والبراغماتية في قراءة المشهد الإقليمي

نادراً ما تقدم الأحداث المتزامنة فرصة لفهم طبيعة النظم السياسية بقدر ما تقدمه الخطابات الرسمية. فالمشهد الذي شهدته المنطقة في الأيام الأخيرة لم يكن مجرد تزامن بين مراسم تشييع قائد في إيران واجتماعات دولية استضافتها تركيا، بل كشف عن اختلاف عميق في فلسفة إدارة الدولة.

كما كشف هذا المشهد عن تباين واضح في آليات إنتاج الشرعية، وفي طريقة توظيف الرموز داخل الصراع الإقليمي والدولي. ومن هنا، تبدو المقارنة بين إيران وتركيا مدخلاً لفهم نموذجين مختلفين في صناعة الشرعية السياسية، أحدهما يراهن على القوة الرمزية، والآخر يمنح البراغماتية السياسية موقعاً مركزياً في إدارة المصالح.

رأس المال الرمزي وشرعية الدولة

في علم الاجتماع السياسي، لا تُبنى شرعية الدولة بالقوة المادية وحدها. بل تقوم أيضاً على ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «رأس المال الرمزي»، أي ذلك الرصيد من الثقة والهيبة والاعتراف الاجتماعي الذي يمنح السلطة قدرة على التأثير تتجاوز أدوات الإكراه.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحشود التي احتشدت في إيران بوصفها مورداً رمزياً للدولة. كما يمكن قراءتها باعتبارها رسالة داخلية وخارجية تؤكد أن الشرعية ليست محصورة بالمؤسسات الرسمية وحدها، بل تستند أيضاً إلى الذاكرة الجمعية والهوية السياسية المشتركة.

وبذلك، لا يظهر الحشد الجماهيري مجرد حدث عاطفي أو بروتوكولي، بل يتحول إلى أداة سياسية رمزية. فهو يعيد تأكيد العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح السلطة صورة تماسكية تستثمرها في الداخل والخارج.

تركيا ونموذج البراغماتية السياسية

في المقابل، قدمت تركيا نموذجاً مختلفاً للشرعية، يقوم على البراغماتية السياسية بوصفها منهجاً لإدارة المصالح. فقد اتسمت السياسة الخارجية التركية، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين، بمرونة عالية في بناء التحالفات وإعادة تشكيلها وفقاً لمقتضيات البيئة الدولية.

فأنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بقنوات تعاون مع روسيا. كما تسعى إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في محاولة لتحويل موقعها الجغرافي إلى رافعة استراتيجية تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة.

ولهذا، تبدو السياسة التركية أكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات من إنتاج سردية أيديولوجية مغلقة. فهي تتحرك بين القوى المختلفة، وتعيد التموضع عندما تتغير موازين القوة، وتحاول تحويل الجغرافيا إلى أداة تفاوض ونفوذ.

اختلاف مركز الثقل بين النموذجين

هذا التباين لا يعني أن أحد النموذجين يخلو من البراغماتية أو من الرمزية. لكنه يكشف عن اختلاف في مركز الثقل. ففي الحالة الإيرانية، توظف الدولة الرمزية السياسية لإنتاج التماسك الداخلي، وتعزيز صورتها بوصفها صاحبة مشروع سياسي وعقائدي يتجاوز حدودها الوطنية.

أما في الحالة التركية، فتبدو إدارة التوازنات الإقليمية والدولية أكثر حضوراً من بناء السردية الأيديولوجية. ولذلك، تصبح السياسة الخارجية التركية أكثر قابلية لإعادة التموضع، تبعاً لتغير موازين القوى وتبدل المصالح.

ومن هنا، لا يقوم الفرق بين النموذجين على حضور عنصر وغياب آخر، بل على ترتيب الأولويات. فإيران تمنح الرمز والهوية موقعاً مركزياً في إنتاج الشرعية، بينما تمنح تركيا المرونة وتعدد الشراكات موقعاً أوسع في بناء النفوذ.

مدرستان في فهم القوة

من منظور العلاقات الدولية، يعكس هذا الاختلاف مدرستين متمايزتين في فهم القوة. تنظر المدرسة الأولى إلى القوة بوصفها مزيجاً من الصمود والهوية والقدرة على تعبئة المجتمع حول قضية جامعة.

أما المدرسة الثانية، فترى أن القوة تكمن في تعظيم المكاسب عبر المرونة، واستثمار الموقع الجيوسياسي، وتعدد الشراكات الدولية. ولذلك، تنتج كل دولة صورة مختلفة عن ذاتها أمام الداخل والخارج.

تقدم إيران نفسها باعتبارها دولة مقاومة تستمد شرعيتها من الثبات والاستمرارية. في المقابل، تقدم تركيا نفسها بوصفها دولة محورية قادرة على مخاطبة جميع الأطراف، والتحرك بينها من دون القطيعة مع أي منها.

الثقافة بوصفها امتداداً للسياسة

لعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الفارق بين النموذجين يمتد حتى إلى المجال الثقافي. فالثقافة ليست عنصراً منفصلاً عن السياسة، بل تعد إحدى أدواتها الناعمة، ووسيلة للتعبير عن فلسفة القوة داخل المجتمع والدولة.

وكما يختلف إيقاع الموسيقى بين الناي الذي يستخرج صوته من أنين القصب، وبين العود أو القانون اللذين تصنع أنغامهما حركة الأصابع، تختلف أيضاً الفلسفة السياسية في التعبير عن القوة. فهناك من يمنح الأولوية لعمق الرسالة وتأثيرها الوجداني، وهناك من يركز على مهارة الأداء وتعدد الإيقاعات بما يتناسب مع تبدل الجمهور والساحات.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الرمزية والبراغماتية مجرد مفاهيم سياسية جافة، بل تتحولان إلى أسلوبين في إنتاج المعنى. فالأولى تراهن على الوجدان والذاكرة، بينما تراهن الثانية على الحركة والتكيّف وحسن الأداء.

مقارنة لا تختزل الشعوب

غير أن هذه المقارنة ينبغي ألا تُفهم باعتبارها حكماً قيمياً على شعبين يمتلك كل منهما حضارة عريقة وإسهامات كبيرة في التاريخ الإنساني. فهي ليست مفاضلة بين شعب وآخر، بل قراءة في نمطين مختلفين لإدارة الدولة وإنتاج الشرعية.

فالشعوب لا تختزلها سياسات الحكومات. كما أن التحولات الدولية كثيراً ما تدفع الدول إلى إعادة صياغة خياراتها وفقاً لمعادلات القوة والمصلحة. لذلك، يجب قراءة هذه النماذج ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية، لا ضمن أحكام تبسيطية أو انطباعات عابرة.

ومن هنا، يصبح فهم الاختلاف بين إيران وتركيا فهماً لآليات الدولة، لا حكماً على المجتمع. كما يصبح مدخلاً لتحليل موقع الرمز والمصلحة في صناعة النفوذ، لا مناسبة لإطلاق تقييمات نهائية.

المنافسة بين القوة الرمزية والبراغماتية

في ضوء التحولات الجارية في النظام الدولي، يبدو أن المنطقة تتجه نحو منافسة بين نموذجين. يراهن النموذج الأول على القوة الرمزية بوصفها أساساً للشرعية والقدرة على الصمود، بينما يراهن النموذج الثاني على البراغماتية بوصفها الوسيلة الأكثر فاعلية لتعظيم المصالح الوطنية.

وسيظل الجدل قائماً حول أي النموذجين أكثر قدرة على البقاء. فالتاريخ يبين أن الشرعية الرمزية تمنح الدول قدرة استثنائية على التحمل، خصوصاً في أزمنة الضغط والحصار والصراع. لكنه يبين أيضاً أن البراغماتية السياسية قد توفر للدول فرصاً واسعة للحركة والتمدد.

ولهذا، لا يمكن حسم النقاش بسهولة. فالقوة الرمزية تمنح الدولة عمقاً واستمرارية، بينما تمنحها البراغماتية قدرة على المناورة. وبين العمق والمناورة، تتشكل معادلات النفوذ في الإقليم.

ما يبقى في ذاكرة الأمم

في النهاية، لا يبقى في ذاكرة الأمم عدد الاتفاقيات التي وقعتها الدول، ولا حجم الصفقات التي أبرمتها، بقدر ما تبقى الصور المؤسسة للوعي الجمعي، والرموز التي شكلت هوية الشعوب، والمواقف التي صنعت سرديتها التاريخية.

أما المصالح، مهما بلغت أهميتها، فإنها تبقى متغيرة بتغير موازين القوى. في المقابل، تمنح الشرعية المتجذرة في الوجدان الجمعي الدول قدرة أكبر على الاستمرار عبر الزمن.

ومن هنا، تكشف المقارنة بين إيران وتركيا أن صناعة الشرعية السياسية لا تقوم على القوة المادية وحدها. بل تقوم أيضاً على الرمز، والذاكرة، والمصلحة، والقدرة على تحويل كل ذلك إلى سردية سياسية تمنح الدولة معناها ودورها وموقعها في لحظة إقليمية ودولية شديدة التحول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *