ليس الموجودات ما يسقط المصارف، بل مخاطر الائتمان (Credit Risk) وحساب الديون المتعثرة (NPL). المساهم الذكي يجب عليه أن يفهم قراءة الميزانية العامة للمصرف أو الموازنة التخمينية المستقبلية. المساهم يحتاج أن يميز الكثير من المصطلحات التي ترد في الميزانيات العامة. في تقديري وحسب معايير بازل 1،2،3، الخطر الحقيقي على المصارف لا يأتي غالبًا من انخفاض قيمة الموجودات، بل من القروض والتسهيلات المصرفية والتعهدات الائتمانية مثل خطابات الضمان والاعتمادات المستندية.
القروض والتعهدات الائتمانية العراقية
أولاً: لنشرح ماذا تشمل مخاطر انخفاض قيمة الموجودات (Assets Risk). وهي تشمل عقارات، استثمارات، موجودات ثابتة، وأوراق مالية. يبقى السؤال المهم، هل هي خطر حقيقي أم أقل خطرًا نسبيًا؟ من البديهي أن انخفاض القيمة غالبًا يكون بشكل محاسبي وغير نقدي (Impairment). أيضًا يمكن امتصاص انخفاض القيمة عبر إعادة التقييم لحساب الموجودات، التحكم بالمخصصات، وأيضًا زيادة الاحتياطيات. بشكل عام، انخفاض الموجودات لا يخلق بالضرورة نزفًا نقديًا فورياً أو سحوبات مباشرة من الزبائن. السؤال الأهم متى تصبح الموجودات خطرًا؟ بالتأكيد تصبح خطرًا إذا كانت الموجودات وهمية أو غير سائلة، أو مبالغ في تقييمها، أو مستخدمة كضمانات لقروض ثم انهارت قيمتها. الخلاصة، الموجودات بشكل عام خطر متوسط ويمكن إدارته إذا كان البنك متحفظًا حسب معايير بازل.
ثانيًا: مخاطر القروض والتعهدات الائتمانية (Credit Risk). تشمل القروض المباشرة، التسهيلات المصرفية، السحب على المكشوف، دعم البطاقات الإلكترونية أو تعزيز الرصيد لها، بالإضافة إلى خطابات الضمان والاعتمادات المستندية. لماذا هي الأخطر؟ لأنها تضرب رأس المال مباشرة وغالبًا تنتقل إلى الاحتياطيات وإلى ودائع المودعين. عند المطالبة وعدم السداد تتحول فورًا إلى ديون متعثرة (NPL) وخسائر فعلية. وهي تتطلب من البنوك المركزية العالمية حث المصارف على رفع المخصصات المالية، استنزاف الأرباح، وأحيانًا ضخ رأس مال جديد من خلال الاكتتاب أو تحويل الأرباح إلى أسهم مجانية أو كلاهما معًا.
الخطر الأكبر يكمن في القروض الائتمانية الكبيرة المركزة، الإقراض بالعلاقات لا بالجدوى الاقتصادية والتقييم الائتماني، ضعف الضمانات التي تغطي قيمة القروض الممنوحة، والتوسع الائتماني دون تسعير المخاطر وتأثير الوضع السياسي والاقتصادي في البلد. كل أزمة مصرفية كبرى في العالم، وكل الأزمات السابقة للقطاعات المصرفية في العراق والعالم، بدأت من هنا، من القروض والائتمانات.
في النموذج العراقي تحديدًا، الخطر الائتماني يتضاعف بسبب ضعف القضاء التجاري. ما زال قانون التسجيل العقاري قديمًا منذ السبعينات، ومستوى تحصيل الديون من خلال بيع العقارات في المزادات العلنية بطيء مقارنة بأمريكا. لا توجد شركات محاماة متخصصة في تحصيل القروض، ولا شركات تجارية لشراء القروض من المصارف كما في أمريكا. كما أن تنفيذ الضمانات الأخرى مثل الكمبيالات والكفالات بطيء. هناك أيضًا رواج تركز القروض في فئات محددة أو مشاريع إسكان محددة، والوضع السياسي والاقتصادي غير مستقر، وسوق العقارات غير سائل أحيانًا، مما يصعب تحويل الضمانات العقارية إلى سيولة مالية. لهذا، المصرف قد ينجو بانخفاض قيمة موجوداته، لكنه قد ينهار بتعثر قروضه وتعهداته الائتمانية.


