توم باراك ومستقبل العراق هل سنرجع إلى ايام حلف بغداد؟

توم باراك ومستقبل العراق بين سوريا وتركيا وحلف بغداد الجديد
تحليل سياسي يناقش تصريحات توم باراك حول العراق وسوريا وتركيا بوصفها محوراً استراتيجياً لاستقرار الشرق الأوسط، ويتساءل هل نحن أمام حلف بغداد جديد أم هندسة أمريكية مرنة للإقليم؟..

أعاد تصريح السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق،

توم باراك، فتح سؤال قديم بلباس جديد: هل نحن أمام عودة غير مباشرة إلى منطق حلف بغداد،

أم أمام هندسة أمريكية مختلفة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط من بوابة العراق وسوريا وتركيا؟

ففي أحدث مواقفه، تحدث باراك عن العراق وسوريا وتركيا بوصفها المحور الاستراتيجي الذي يجب أن ترتكز عليه أي حالة استقرار دائمة في الشرق الأوسط.

كما أشار إلى أن تحقيق التوازن بين هذه الدول الثلاث يتطلب نقطة اتصال ونفوذ أمريكية واحدة ومتسقة، تتجاوز الانقسامات القبلية والدينية والطائفية.

هذا الكلام لا يمكن التعامل معه بوصفه تصريحاً عابراً. فهو يعكس رؤية أمريكية أوسع ترى أن الشرق الأوسط الجديد لا يُدار فقط من بوابة الخليج وإسرائيل وإيران،

بل من خلال مثلث جيوسياسي شديد الحساسية: العراق، سوريا، وتركيا.

هل نعود إلى حلف بغداد؟

المقارنة مع حلف بغداد تبدو مغرية، لكنها تحتاج إلى تدقيق.

فحلف بغداد كان مشروعاً أمنياً في سياق الحرب الباردة،

ارتبط بمحاولة بناء طوق إقليمي موالٍ للغرب في مواجهة الاتحاد السوفيتي.

أما ما يطرحه باراك اليوم فلا يبدو عودة حرفية إلى ذلك الحلف،

بل محاولة لإنتاج صيغة جديدة من الربط الإقليمي، تقوم على الأمن،

والطاقة، والحدود، والتجارة، ومكافحة الإرهاب، وتقليص نفوذ الخصوم.

بمعنى آخر، لسنا أمام حلف بغداد بصورته القديمة، بل ربما أمام “حلف وظيفي” جديد،

لا يحمل الاسم نفسه، ولا يتخذ بالضرورة شكل معاهدة دفاعية معلنة،

لكنه يعيد وضع العراق داخل محور إقليمي تديره واشنطن من خلال نفوذ متقاطع في أنقرة ودمشق وبغداد.

العراق يعود إلى مركز المعادلة

النقطة الأولى في تصريح باراك هي إعادة وضع العراق في مركز المعادلة الإقليمية.

فهو لا يتحدث عن العراق كدولة هامشية أو كساحة تابعة،

بل يضعه إلى جانب سوريا وتركيا باعتبارها ركائز جغرافية لأي استقرار دائم في الشرق الأوسط.

وهذا التحول مهم، لأن الخطاب الأمريكي خلال سنوات طويلة كان يركز غالباً على الخليج وإسرائيل وإيران،

بينما كان العراق يُنظر إليه إما كساحة نفوذ إيراني، أو كملف أمني، أو كدولة تحتاج إلى إدارة أزماتها الداخلية.

أما الآن، فيبدو أن واشنطن تريد إعادة تقديم العراق بوصفه عقدة جيوسياسية رئيسية، لا مجرد ساحة صراع.

مثلث العراق وسوريا وتركيا

الرؤية الأمريكية الجديدة، كما يمكن قراءتها من كلام باراك، لا تتعامل مع كل دولة بصورة منفصلة،

بل تنظر إلى العراق وسوريا وتركيا كمنظومة مترابطة أمنياً واقتصادياً وجغرافياً.

فالعراق يمثل بوابة الخليج وعمق المشرق، وسوريا تمثل حلقة الاتصال مع المتوسط وبلاد الشام،

وتركيا تمثل الجسر بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى.

وعندما تُقرأ هذه الدول الثلاث معاً، تصبح المنطقة أمام مثلث قادر على إعادة تشكيل خطوط التجارة والطاقة والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب.

لهذا، فإن إدراج العراق ضمن هذا المحور لا يعني مجرد اهتمام دبلوماسي عابر،

بل يشير إلى أن واشنطن تفكر في موقع العراق ضمن شبكة إقليمية أكبر.

إدارة النفوذ بدل التدخل المباشر

تعكس هذه الصياغة تحولاً أمريكياً من منطق التدخل المباشر إلى منطق إدارة النفوذ.

فواشنطن لم تعد مضطرة، أو ربما لم تعد راغبة،

في إدارة كل تفصيل عبر وجود عسكري واسع أو احتلال مباشر أو تدخل مفتوح.

بدلاً من ذلك، تسعى إلى بناء نقاط اتصال ونفوذ تسمح لها بإدارة التوازنات من الخلف،

وربط الدول المتجاورة ضمن إطار يخدم المصالح الأمريكية.

وهنا يصبح توم باراك نموذجاً لهذا التحول. فهو ليس مجرد سفير في تركيا،

بل يتحرك ضمن مساحة أوسع تشمل سوريا والعراق،

أي ضمن الجغرافيا التي تريد واشنطن إعادة هندستها سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

تجاوز الطائفية أم تجاوز السياسة المحلية؟

استخدام باراك لعبارة تجاوز الانقسامات القبلية والدينية والطائفية لافت جداً.

من حيث المبدأ، تعكس هذه العبارة رؤية أمريكية تقول إن الاستقرار لن يتحقق إذا بقيت السياسة الإقليمية قائمة على الهويات الطائفية والنعرات القبلية والانقسامات الدينية.

وهذا يعني، نظرياً، أن هوية الدولة والمصلحة الوطنية والاقتصادية يجب أن تكون أعلى من الانتماءات القبلية أو الدينية أو الطائفية عند اتخاذ القرار السياسي.

لكن السؤال العراقي هنا هو: هل تريد واشنطن فعلاً بناء دولة مواطنة تتجاوز المحاصصة،

أم أنها تريد تجاوز الانقسامات فقط عندما تعيق المشروع الأمريكي، ثم تعود إلى استخدامها عند الحاجة؟

فهذه النقطة تحديداً تثير حساسية عراقية مشروعة،

لأن التجربة بعد عام 2003 أظهرت أن النظام السياسي نفسه بُني على معادلة المكونات والمحاصصة، ثم يُطلب اليوم من العراق تجاوز آثارها.

العراق بين الفرصة والخطر

إعادة العراق إلى قلب المعادلة الإقليمية قد تكون فرصة وقد تكون خطراً في الوقت نفسه.

هي فرصة إذا استطاع العراق أن يتعامل مع الاهتمام الأمريكي بوصفه مدخلاً لتعزيز موقعه،

وتوسيع خياراته، وتنشيط اقتصاده، وربط بنيته التحتية بمشاريع نقل وطاقة إقليمية.

لكنها تتحول إلى خطر إذا جرى التعامل مع العراق بوصفه مجرد عقدة في مشروع أمريكي جديد،

أو ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين واشنطن وأنقرة ودمشق، من دون أن يمتلك العراقيون رؤية وطنية مستقلة لموقع بلدهم.

فالمشكلة ليست في أن يكون العراق محورياً، بل في سؤال: محورياً لصالح من؟

تركيا وسوريا والعراق: شبكة مصالح أم شبكة ضغوط؟

الربط بين العراق وسوريا وتركيا يمكن أن يأخذ مسارين مختلفين.

المسار الأول هو مسار اقتصادي تنموي يقوم على ربط الأسواق،

وتطوير الطرق، وتنظيم الحدود، وتوسيع التجارة، وإدارة ملف المياه، والطاقة، واللاجئين، ومكافحة الإرهاب.

أما المسار الثاني فهو مسار أمني ضاغط يجعل العراق جزءاً من ترتيبات إقليمية لا يملك السيطرة الكاملة على نتائجها.

وهنا يجب أن يكون العراق حذراً. فكل مشروع إقليمي قد يحمل فرصاً اقتصادية، لكنه قد يحمل أيضاً التزامات سياسية وأمنية غير معلنة.

هل الهدف تقليص نفوذ إيران؟

لا يمكن فصل كلام باراك عن السياق الأوسع للسياسة الأمريكية تجاه العراق.

فالولايات المتحدة ترى أن العراق ظل لسنوات طويلة قريباً من النفوذ الإيراني،

سواء عبر القوى السياسية أو الفصائل المسلحة أو العلاقات الاقتصادية والدينية والاجتماعية.

ومن هذه الزاوية، فإن إدخال العراق في مثلث مع تركيا وسوريا قد يكون جزءاً من محاولة إعادة توازن موقعه، وتخفيف اعتماده على إيران، وربطه بشبكة إقليمية بديلة.

لكن هذا لا يعني بالضرورة قطع العراق عن إيران،

بل قد يعني محاولة تحويل العلاقة مع إيران من علاقة نفوذ عميق إلى علاقة دولة بدولة، ضمن توازنات أوسع.

وهذا سيكون أحد أهم ملفات المرحلة المقبلة.

حلف بغداد الجديد: تشابه في الجغرافيا لا في الشكل

إذا أردنا استخدام عبارة حلف بغداد الجديد، فيجب أن نستخدمها بحذر.

التشابه موجود في الجغرافيا وفي فكرة الربط بين العراق وتركيا ومنطقة أوسع تحت مظلة غربية أو أمريكية.

لكن الاختلاف كبير في الشكل والسياق. فحلف بغداد القديم كان حلفاً أمنياً في زمن الحرب الباردة، بينما المشروع الحالي، إذا تبلور، سيكون أقرب إلى شبكة نفوذ مرنة تجمع الأمن، والطاقة، والتجارة، والحدود، والاستثمار، ومكافحة الإرهاب.

أي أننا قد لا نكون أمام حلف عسكري معلن، بل أمام بنية إقليمية جديدة تُدار عبر الدبلوماسية الاقتصادية والأمنية، وتقوم على ربط المصالح أكثر من توقيع المعاهدات.

ماذا ستشهد الأيام المقبلة؟

من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تصاعداً في الحديث عن ربط العراق بالمشاريع الإقليمية، خصوصاً في مجالات الطاقة، والنقل، والحدود، والتجارة، والربط الأمني مع سوريا وتركيا.

كما قد يزداد الضغط على بغداد لإعادة تعريف علاقتها بالفصائل المسلحة، وبإيران، وبملف الحدود السورية، وبالدور التركي في الشمال، وبمشاريع الممرات الاقتصادية.

وقد نشهد أيضاً محاولة أمريكية لتقديم العراق بوصفه دولة انتقالية بين الخليج وتركيا وسوريا، لا مجرد دولة نفطية داخل توازنات الخليج.

وهنا ستصبح السياسة العراقية أمام اختبار صعب: هل تملك بغداد رؤية خاصة بها، أم ستنتظر أن تُكتب لها الرؤية في واشنطن أو أنقرة أو طهران؟

بوصلة العراق

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان توم باراك يريد إعادة إنتاج حلف بغداد، بل ما إذا كان العراق يمتلك بوصلة وطنية تجعله قادراً على التعامل مع هذه الرؤية الأمريكية من موقع الدولة لا من موقع الساحة.

فإذا امتلك العراق مشروعاً وطنياً واضحاً، يمكنه أن يحوّل الاهتمام الدولي إلى فرصة، وأن يستفيد من موقعه بين تركيا وسوريا والخليج وإيران لبناء اقتصاد متنوع ودور إقليمي متوازن.

أما إذا بقي أسير الانقسامات الداخلية، والمحاصصة، والسلاح المنفلت، والقرار المبعثر، فسيتحول الموقع الجغرافي نفسه إلى عبء، وسيصبح العراق جزءاً من هندسة الآخرين لا مهندساً لموقعه الخاص.

خاتمة

تصريح توم باراك ليس مجرد كلام دبلوماسي. إنه مؤشر على رؤية أمريكية جديدة ترى أن استقرار الشرق الأوسط يمر عبر إعادة ترتيب العلاقة بين العراق وسوريا وتركيا ضمن إطار إقليمي واحد.

لكن هذه الرؤية تفتح أسئلة كبيرة: هل نحن أمام حلف بغداد جديد؟ هل تسعى واشنطن إلى تقليص نفوذ إيران عبر مثلث العراق وسوريا وتركيا؟ هل سيستفيد العراق من موقعه الجغرافي أم سيدفع ثمنه مرة أخرى؟ وهل يستطيع العراقيون تحويل بلدهم من ساحة نفوذ إلى مركز توازن؟

الأيام المقبلة قد تكشف حجم هذا التحول. لكن المؤكد أن العراق يدخل مرحلة أكثر حساسية، حيث لم يعد موقعه الجغرافي تفصيلاً، بل صار قلب المعادلة.

وإذا لم تُحسن بغداد إدارة هذه اللحظة، فقد تجد نفسها مرة أخرى داخل مشروع إقليمي كبير، لكن من دون قرار عراقي كبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *