حين أصبح السلاح عبئًا: كيف اختارت الفصائل الدولة قبل الصدام؟

حين أصبح السلاح عبئًا: كيف اختارت الفصائل الدولة قبل الصدام؟
تحوّل موقف الفصائل المسلحة في العراق نحو حصر السلاح بيد الدولة يعكس واقعية سياسية فرضتها المشاركة في الحكم وتغيّر موازين القوة، وتسارع بفعل ضغوط دولية، بما يجعل احتكار الدولة للقوة شرطاً لبقاء الشرعية والاستقرار....

لم يعد ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق مجرد شعار يُرفع في المواسم السياسية أو مادة للاستهلاك الإعلامي، بل تحوّل في المرحلة الأخيرة إلى قرار واقعي تبنّته فصائل مسلحة كانت، حتى وقت قريب، ترى في سلاحها ضمانة للوجود والتأثير.

هذا التحوّل لم يأتِ بدافع المثالية، ولا نتيجة قناعة أخلاقية مجردة، بل كان حصيلة تغيّر عميق في موازين القوة والظروف السياسية الداخلية والخارجية، خصوصًا بعد فوز تلك الفصائل في الانتخابات، ودخولها العملية السياسية من أوسع أبوابها، ووصولها إلى مواقع القرار والتحكم بمفاصل الدولة.

حين تصبح الفصائل جزءًا من الدولة، بل طرفًا حاكمًا فيها، يفقد السلاح خارج الإطار الرسمي وظيفته السابقة، ويتحوّل من عنصر قوة إلى عبء سياسي وأمني يهدد شرعية الحكم، ويضع الدولة تحت ضغط داخلي وخارجي دائم.

فرضت الواقعية السياسية  نفسها بوضوح. فالعراق يتحرك ضمن بيئة دولية لا تسمح بازدواج السلاح والقرار. والولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها أكبر قوة عسكرية في العالم وصاحبة نفوذ مباشر وغير مباشر في العراق، أوصلت رسائل متعددة، شفوية وضمنية وتحريرية، مفادها أن وجود فصائل مسلحة خارج إطار الدولة داخل العملية السياسية أمر غير مقبول، وأن الاستمرار في هذا المسار يعني استهدافها، تفكيك معسكراتها، واغتيال قياداتها، كما حدث – بدرجات مختلفة – في تجارب إقليمية معروفة في إيران ولبنان واليمن.

أمام هذا الواقع، كان الخيار واضحًا:

إما الدولة بكل ما تعنيه من شرعية قانونية ومؤسسات وسيادة وعلاقات دولية،

أو مواجهة مفتوحة مع قوة لا يمكن الوقوف ضدها، ولن يكون ضحاياها القادة فقط، بل سيكون الشعب والدولة ومؤسساتها عرضة لخطر التدمير الشامل.

في مراحل سابقة، لم تكن الفصائل تمتلك الغطاء السياسي الكامل ولا الشرعية الانتخابية التي تتيح لها الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة. كان السلاح آنذاك يُنظر إليه كأداة وجود في ظل دولة ضعيفة، ومؤسسات عاجزة عن فرض القانون، وبيئة أمنية مضطربة.

أما اليوم، فالمعادلة تغيّرت.

حين تدخل الفصائل الحكم، وتصبح مسؤولة عن القرار الداخلي والعلاقات الخارجية، فإن الاحتفاظ بالسلاح خارج الدولة يتحول من ضرورة مرحلية إلى خطأ استراتيجي، يهدد التجربة السياسية نفسها ويعرّض البلد لاختبارات قاسية.

صحيح أن قرار حصر السلاح جاء استجابةً للضغط الأمريكي، ومن الخطأ إنكار وجود هذا الضغط أصلًا.

لكن الواقع أن التهديدات الدولية لم تُنشئ القرار، بل عجّلت به وكشفت كلفته المؤجلة.

فالقرار كان حتميًا بحكم الانتقال من موقع الفصيل إلى موقع الدولة، غير أن الرسائل الخارجية وضعت سقف الزمن، وحددت ثمن التأخير.

العراق اليوم لا يحتمل المغامرة، ولا يمكن أن يُدار بعقليتين متوازيتين: عقل الدولة وعقل السلاح.

إما دولة تحتكر القوة وتديرها بالقانون، أو ساحة صراع مفتوحة تُستباح عند أول اختبار دولي حقيقي.

إن حصر السلاح بيد الدولة هو قرار بقاء في عالم لا يعترف إلا بالدول المكتملة.

وفي السياسة، لا يُقاس القرار بوقت اتخاذه، بل بحجم الخسائر التي جرى تفاديها.

وحين تختار القوى الحاكمة الواقعية بدل العناد، فهي بذلك تمنع الانهيار الحتمي.

ليس عيبًا أن تُغلب مصلحة الحزب أو الشعب أو الأرض على شعارات لا تبني دولة، بل تهدمها.

فالقرار الواقعي، الذي يحمي الدولة ويضمن استقرارها، هو منطق البقاء والسيادة، وليس الشعارات الرنانة أو التهوّر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *