السلاح النووي .. حين تُصان السيادة بمنطق الردع

السلاح النووي .. حين تُصان السيادة بمنطق الردع
يحلل المقال السلاح النووي كأداة ردع تحفظ السيادة في نظام دولي تحكمه القوة، مبرزًا أن امتلاكه أو الاقتراب منه يمنع الحروب المباشرة بينما يعرّض غيابه الدول الضعيفة للضغط والتفكيك كما في العراق وليبيا ويجعل الردع لغة السياسة الحاسمة المعاصرة اليوم....

في عالمٍ لا تُدار فيه السياسة بحسن النيّات، ولا تُحسم فيه الصراعات بالخطابات الأخلاقية، تفرض موازين القوة نفسها بوصفها اللغة الأكثر فهماً واحتراماً بين الدول. فالتاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن النظام الدولي لم يكن يوماً ساحة عدالة، بل ميدان اختبار مستمر لمن يمتلك عناصر الردع ومن يفتقر إليها. ومن هنا، تبدو الحقيقة صارخة بلا مواربة: السيادة لا تُمنح، بل تُصان، ولا تُصان إلا بقوة تجعل الاعتداء مكلفاً، والمغامرة غير محسوبة العواقب . في هذا السياق، لم يعد السلاح النووي مجرد أداة حرب قصوى تُستخدم في لحظات الفناء، بل تحوّل إلى مفهوم سياسي واستراتيجي معقّد، يُدار أكثر مما يُستعمل، ويُلوَّح به أكثر مما يُطلق. هو سلاح ردع قبل أن يكون سلاح دمار، ولغة سيادة قبل أن يكون أداة قتال. الدول التي تمتلكه، أو تقترب من امتلاكه، تفرض على خصومها مسافةً من الحذر لا تُخترق بسهولة، وتجبرهم على التفكير ألف مرة قبل الإقدام على أي مواجهة مباشرة .

الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا، بوصفها القوى النووية الكبرى، ومعها الهند وباكستان وكوريا الشمالية، رغم اختلاف أنظمتها السياسية، وتناقض رؤاها الأيديولوجية، تشترك في حقيقة واحدة لا جدال فيها: لا تُواجَه هذه الدول إلا بالحساب، ولا تُستهدف إلا بالوكالة، أو عبر أدوات أقل خطورة كالعقوبات الاقتصادية، والحروب الإعلامية، والضغط السياسي. فالمواجهة المباشرة مع دولة نووية ليست خياراً عقلانياً في قاموس السياسة الدولية، بل مقامرة وجودية لا يقدم عليها إلا من فقد كل تقدير للكلفة .

وإسرائيل، رغم سياسة الغموض النووي التي تتبعها، تقدّم نموذجاً آخر لقوة الردع غير المعلنة. فالصمت هنا ليس ضعفاً، بل سلاح بحد ذاته. الغموض المدروس يخلق حالة ردع مضاعفة، إذ يترك الخصم في دائرة الشك الدائم: ماذا تملك؟ إلى أي مدى يمكن أن تذهب؟ هذا الشك وحده كفيل بكبح كثير من السيناريوهات التصعيدية، ويجعل الحسابات أكثر تعقيداً، وأكثر ميلاً إلى التراجع . أما إيران، فقد أدارت ملفها النووي بصفته ورقة سيادية ثقيلة، لا مجرد مشروع تقني. فحتى دون إعلان امتلاك السلاح، نجحت في رفع كلفة الحرب إلى مستويات تفوق عوائدها .

تحوّل التهديد ضدها إلى خطاب مرتفع النبرة، لكنه متراجع في الفعل، لأن أي مواجهة عسكرية مباشرة قد تفتح أبواباً لا يمكن السيطرة على نتائجها. وهكذا، صار البرنامج النووي الإيراني أداة ردع سياسية، قبل أن يكون مشروعاً عسكرياً، ووسيلة لفرض الجلوس إلى طاولة التفاوض بدل الذهاب إلى ساحة المعركة. في المقابل، تكشف التجارب الحديثة أن الدول المحرومة من أدوات الردع، مهما امتلكت من ثروات طبيعية أو إمكانات اقتصادية، تصبح أكثر عرضة للضغط، والاستهداف، وحتى التفكيك . العراق، بعد أن جُرّد من قدراته الاستراتيجية، واجه حصاراً خانقاً، ثم غزواً مباشراً، وانهياراً في بنيته السياسية والأمنية. ليبيا، بعد التخلي عن برنامجها النووي، لم تشفع لها “حسن النية” ولا “التعاون الدولي”، فانتهت إلى فوضى مفتوحة، وتدخلات خارجية، وتفكك الدولة. وفنزويلا، رغم بعدها الجغرافي وثروتها النفطية، لم تسلم من محاولات العزل، والشيطنة، والضغط، بل وصل الأمر إلى السعي العلني لإسقاط رأس الدولة، في مشهد يعكس بوضوح كيف تُدار العلاقة مع الدول الضعيفة استراتيجياً والغنية اقتصادياً . الرسالة هنا واضحة ولا تحتمل التأويل .. القانون الدولي لا يحمي من لا يملك قوة تفرض احترامه. الخطابات الأممية، وقرارات مجلس الأمن، ومواثيق حقوق الإنسان، كلها أدوات تُستدعى حين تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى، وتُهمَل حين تتعارض معها.

أما الردع، فهو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تخضع للازدواجية . الولايات المتحدة، بوصفها القوة الأعظم، لا تقترب عسكرياً من الدول النووية، بل تفاوضها، وتُبرم معها الاتفاقيات، مهما بلغت حدة الخلافات. لكنها، في المقابل، تقترب من الدول الضعيفة لتفرض عليها شروطها، أو تعيد رسم أنظمتها، أو تستخدمها ساحات صراع بالوكالة . ليس لأن هذه الدول “مذنبة” أخلاقياً، بل لأنها مكشوفة استراتيجياً . في هذا العالم، لا تُحمى الدول بحسن النيات، ولا تُصان السيادة بالنوايا الطيبة، بل بما تمتلكه من قوة تردع قبل أن تُستعمل، وتجعل كلفة الاعتداء أعلى من أي مكسب محتمل. تلك هي القاعدة غير المكتوبة للنظام الدولي، وذلك هو بيت القصيد: الردع ليس دعوة للحرب، بل ضمانة لتأجيلها، وربما لمنعها، وحين يغيب الردع، يصبح السلام مجرد شعار هشّ في مهبّ المصالح ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *