حين يصبح النزيه إدانةً للمنظومة؛وتخشاه الطبقة السياسية؛ النائب السابق امير المعموري انموذجاً

حين يصبح النزيه إدانةً للمنظومة؛وتخشاه الطبقة السياسية؛ النائب السابق امير المعموري انموذجاً
يحلل المقال ظاهرة خوف الطبقة السياسية من النائب النزيه متخذاً أمير المعموري نموذجاً إذ تتحول النزاهة إلى إدانة للمنظومة الفاسدة. ويبيّن أن الالتفاف الشعبي حوله احتجاج على نظام يعاقب الكفاءة ويعيد إنتاج الفشل ويقصي النماذج الأخلاقية داخل الدولة العراقية المعاصرة....

في المشهد السياسي العراقي، لم يعد الفساد حالة طارئة، بل تحوّل لدى كثير من الفاعلين إلى جزءٍ من آلية الحكم، تُدار عبره التحالفات، وتُصاغ به التوازنات، وتُوزّع على أساسه المناصب.

في هذا السياق المأزوم، لا يُنظر إلى السياسي النزيه بوصفه قيمة مضافة، بل بوصفه خطراً صامتاً، لأنه يفضح – بوجوده فقط – هشاشة المنظومة وانكشافها الأخلاقي.

من هنا، لا يمكن فهم الالتفاف الشعبي حول النائب أمير المعموري باعتباره حدثاً شخصياً أو مناطقياً، بل كرسالة اتهام سياسية واضحة للطبقة الحاكمة.

سجلّه النظيف، ومتابعته الفعلية لملفات الفساد، وابتعاده عن شبكات المصالح، جعلت منه استثناءً يحرج القاعدة، ويكسر منطق “الجميع متورطون” الذي تحاول بعض القوى تكريسه لتبرير فشلها.

خروج أهالي الحلة مطالبين بترشيحه محافظاً لم يكن تعبيراً عن فراغ إداري فحسب، بل احتجاجاً ضمنياً على نمط إدارة محليّة فقدت ثقة الناس.

الأكثر دلالة أن رفضه الترشح للدورة النيابية الحالية كشف عطباً أعمق في النظام السياسي ومنطق التمسك بالمناصب ولو على حساب المعنى.

ففي منظومة اعتادت إعادة إنتاج الوجوه ذاتها، يصبح الانسحاب الواعي فعل مقاومة، لا هروباً.

الطبقة السياسية، في غالبيتها، لا تخشى المعارضة الصاخبة بقدر ما تخشى النموذج الصامت. لأن الخطاب يمكن احتواؤه، والشعار يمكن تفريغه، أما النزاهة العملية فهي لا تُفكك بسهولة.

رجل واحد بسجل نظيف قادر على تقويض سرديات كاملة تبرّر الفساد باسم “الواقعية السياسية” أو “ضرورات المرحلة”.

إن استمرار البحث الشعبي عن “الشريف النزيه القريب من الناس” يكشف فشل الأحزاب في إنتاج قيادات تحظى بثقة المجتمع، ويؤكد أن الأزمة ليست في وعي المواطن، بل في عناد المنظومة التي تصرّ على تقديم المصالح الضيقة على حساب الدولة. والأسوأ أن هذه المنظومة غالباً ما تحاصر النزيه بالتجاهل، أو التشكيك، أو الإقصاء الناعم، لأنها تدرك أن وجوده يرفع سقف الأسئلة التي لا تريد الإجابة عنها.

سياسياً، يمثل نموذج المعموري اختباراً قاسياً للطبقة الحاكمة:

هل هي مستعدة للاعتراف بأن النزاهة شرط للحكم لا عبء عليه؟

أم أنها ستواصل إدارة الدولة بعقلية “تدوير الفشل” وتبادل الأدوار بين الوجوه ذاتها؟ الإجابة لا تُقال في البيانات، بل تُقاس في السلوك، وفي طريقة التعامل مع النماذج التي ترفض أن تكون جزءاً من لعبة الفساد.

حين نقول إن “الرجل أُمّة”، فنحن نعلن إدانة ضمنية لمنظومة تحتاج إلى عشرات المواقع لتفعل ما يفعله فرد واحد بإرادة نظيفة.

في دول مأزومة، لا تكون المشكلة في غياب الكفاءات، بل في وجود نظام يعاقبها لأنها تذكّره بما يجب أن يكون عليه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم، ليس فشل النزيه في الوصول إلى المنصب، بل تطبيع إقصائه، حتى يصبح الفساد هو القاعدة، والنزاهة استثناءً يُحتفى به ثم يُهمّش.

وعندها، لن يكون السؤال: أين الشرفاء؟ بل لماذا لم نحمِهم حين كانوا بيننا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *