من الخطأ الاستمرار في التعامل مع الإطار التنسيقي بوصفه كيانًا متماسكًا وموحد الرؤية، ما يجري داخله اليوم يعكس تحولات عميقة في بنية التفكير السياسي، حيث لم يعد الخلاف محصورًا بالأشخاص أو الاستحقاقات، بل بات خلافًا على طريقة إدارة الدولة نفسها، فنحن أمام تباين واضح بين عقل سياسي تقليدي ما زال يتعامل مع السياسة بوصفها ساحة تحدً، وعقل جديد بدأ ينظر إليها كمساحة إدارة كلفة ومخاطر.
خلال المرحلة الأخيرة برزت داخل الإطار فواعل كانت تحسب سابقًا على القوى التقليدية أو على الفصائل المسلحة، لكنها طورت أدواتها السياسية، وانتقلت تدريجيًا من منطق الفعل الميداني إلى منطق الشراكة في الحكم، هذه الفواعل لم تعد ترى في فرض الأسماء أو التصعيد وسيلة فعالة، بل باتت تبحث عن شخصيات غير جدلية مقبولة من الشركاء الداخليين، وقادرة على تفادي الصدام الخارجي، هذا التحول لا يعكس تراجعًا في النفوذ بقدر ما يعكس وعيًا بأن النفوذ غير القابل للإدارة يتحول إلى عبء.
القبول السابق أو عدم الاعتراض على مسارات نزع السلاح لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا التحول، فبالنسبة للفواعل الجديدة لم يعد السلاح خارج الدولة عنصر قوة تفاوضية، بل أصبح أحد أسباب العزلة السياسية والضغط الدولي، لذلك جرى التعاطي مع هذا الملف كجزء من إعادة التموضع داخل الدولة، لا كتنازل أيديولوجي، بل كخطوة لحماية الحضور السياسي على المدى المتوسط.
في المقابل لا يزال داخل الإطار من يتعامل مع المخاطر الكبرى كالعقوبات الاقتصادية أو العزلة الدولية بخطاب تعبوي يقوم على الاستخفاف بالكلفة، هذا النوع من التفكير تشكل في مرحلة كانت فيها العقوبات تستخدم كأداة تعبئة سياسية لا كخطر وجودي على بنية الدولة، لكن العراق اليوم دولة ريعية هشة مرتبطة بشكل مباشر بالنظام المالي العالمي، وأي صدمة اقتصادية لن تترجم إلى “صمود سياسي”، بل إلى أزمة معيشية واجتماعية واسعة تهدد وجود النظام القائم .
الفرق الجوهري في هذا السياق أن العقوبات لم تعد تستهدف أنظمة مغلقة، بل تضرب مجتمعات كاملة، الفواعل الجديدة داخل الإطار تدرك أن العقوبات لا تسقط خصومًا سياسيين بقدر ما تنهك الدولة وتفشل الحكومات، لذلك فهي تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره خطًا أحمر يجب تفاديه لا شعارًا يمكن التعايش معه.
هذا الانقسام في التفكير ينعكس مباشرة على ملف اختيار رئيس الوزراء، فالإصرار على أسماء جدلية لم يعد دليل قوة، بل مخاطرة سياسية قد تعيد العراق إلى دوامة الانسداد والعزلة، ولهذا يتجه الإطار ولو بصمت، نحو البحث عن شخصيات أقل استفزازًا وأكثر قدرة على إدارة التوازنات، حتى وإن كانت أقل انسجامًا مع الخطاب الأيديولوجي التقليدي.
الإطار التنسيقي يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:إما أن ينجح الجيل الجديد من الفواعل في ترسيخ منطق إدارة الدولة وتحييد الكلفة العالية للصدام، أو أن يعود الخطاب التقليدي لفرض نفسه بما يحمله من مخاطر سياسية واقتصادية قد لا يكون العراق قادرًا على تحمّلها.
في المحصلة، الصراع داخل الإطار ليس صراع أشخاص، بل صراع عقول، والعقل الذي سيسود لن يحدد فقط اسم رئيس الوزراء، بل شكل الدولة في المرحلة المقبلة.


