العراق اليوم يقف على عتبة مرحلة خطيرة. ليس لأن التحديات جديدة، بل لأنها أصبحت أعمق وأكثر شراسة من أي وقت مضى. المستقبل لا يبتسم لشعبٍ أثقلته الوعود الكاذبة، ولا لحكومة تتغير وجوهها بينما تبقى مصالحها ثابتة، ولا لانتخابات تتحول فيها الديمقراطية إلى بضاعة تُباع وتُشترى في سوق السياسة.
هل نحن قريبون من الكارثة؟
الجواب المؤلم: نعم… إن لم نتدارك ما يمكن تداركه.
الانتخابات التي يُفترض أن تعكس إرادة الشعب، تحولت إلى معركة نفوذ. التزوير ليس مجرد خطأ تقني، بل قرار مقصود لإدامة سلطة متكررة الأسلوب مع شعبها تُحسن البقاء ولا تُحسن الحكم. الصوت الانتخابي الذي يجب أن يكون قيمة وطنية، أصبح سلعة تُسعّر بالدولار وربما حتى بالدينار ، والوعود المغشوشة والولاءات الضيقة.
ومع كل دورة انتخابية، يزداد الشرخ المجتمعي اتساعًا:
فطائفي يُذكّرنا بانقسام الدم، ومذهبي يُوسّع الكراهية، وقومي يُلغيك كي يثبت وجوده. هكذا تُبنى الخصومات… وهكذا تُهدم الأوطان. فلا عبد الزهرة يرتاح ولا عمر يعيش بسلام!! حين ينهار احترام الإنسان، ينهار الوطن معه.
الفوارق الطبقية صارت سكينًا في الجسد العراقي
هناك من يعيش حياة مُترفة، وهناك من يطارد رغيف الخبز. هناك من يملك القرار والثروة، وهناك من يُحاصَر بالفقر والذل والقهر. هذه الفجوة ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وأخلاقية أيضاً. هي التي تجعل الجار يحقد على جاره، والفقير يكره الغني، والناس مستعدة لبيع أصواتها وربما كرامتها مقابل مبلغ قد لا يكفي لأسبوع واحد.
وماذا عن الحكومة القادمة؟ هل هي مستعدة لما سيحدث؟
الحقيقة الصادمة:
لن تكون أي حكومة قادرة على إنقاذ العراق إن استمرت تولد وفق نفس المعايير: (محاصصة – صفقات – تعطيل الإرادة الشعبية – رضوخ للخارج – تنكيل بالداخل )
إن العراق يقف اليوم أمام اختبار وجودي يتجاوز فكرة الانتخابات كإجراء ديمقراطي إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الدولة على إعادة إنتاج نفسها بشكل شرعي ومستقر. إن استمرار نظام المحاصصة يخلق حالة شلل مؤسسي تمنع أي حكومة من التحول إلى كيان فاعل قادر على مواجهة التحديات المتزايدة. ومع تفاقم الفوارق الاجتماعية، تتراجع ثقة المواطن بجدوى العملية السياسية، ما يفتح الباب واسعاً أمام اضطرابات أكبر.
إن بناء دولة حديثة لن يتحقق دون إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المواطنة والشفافية والمساءلة.
العراق ليس بحاجة إلى حكومة جديدة بقدر حاجته إلى عقد اجتماعي جديد. إلى ثورة وعي، لا ثورة فوضى. إلى نظام يجعل الإنسان قيمة عليا فوق الطائفة والمذهب والقبيلة والقومية. الخطر الحقيقي ليس في المستقبل… بل في تجاهله. الكارثة ليست مفاجأة تنتظر قدومها، بل نار مشتعلة نحاول التظاهر بعدم رؤيتها.
إن لم تُصلح الانتخابات ويعاد كتابة نظام يضمن حقوق الاقليات والافراد والكفاءات ، إن لم تُحترم الحقوق العامة، إن لم تتقلّص الفجوات بين الناس… فلن يبقى هناك وطن نتنافس على حكمه. بل رماد أو بقايا وطن ننوح ونبكي عليه!! اليوم هو الفرصة الأخيرة… وغدًا قد يكون وقت الندم.


