لم تكن فنزويلا حدثًا معزولًا في مسار السياسة الدولية، ولا مجرد فصل إضافي في الصراع الأمريكي – اللاتيني، بل كانت نقطة التحوّل الحقيقية التي انتقلت عندها الولايات المتحدة من منطق إدارة القوة إلى منطق الانفلات بالقوة.
في التحليل الاستراتيجي، هناك لحظة دقيقة تمر بها الإمبراطوريات؛ لحظة لا تعلن فيها الهزيمة، لكنها تتخلى عن الحكمة. وفنزويلا تمثل هذه اللحظة بالضبط.
من “الإنجاز الأمني” إلى وهم القوة المطلقة
ما جرى تسويقه على أنه نجاح أمني أو ضربة ذكية، عبر خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أو تحييده سياسيًا، لم يكن سوى بداية انزلاق خطير.
فالقيادة الأمريكية – وتحديدًا في عهد ترامب – قرأت المشهد قراءة خاطئة: اعتبرت الصمت الدولي قبولًا، والتردد الأوروبي ضعفًا، والارتباك الإقليمي انتصارًا.
وهنا تبدأ الكارثة.
حين تقتنع القوة العظمى بأنها غير خاضعة لأي ردع، تمنح نفسها سلطة استثنائية تتجاوز القانون الدولي، بل تتجاوز حتى منطق المصالح طويلة الأمد. وهذا ما تَمثّل لاحقًا في سرقة سفينة نفطية روسية، وفتح ملف غرينلاند بوصفها “غنيمة جغرافية”، ثم الانتقال إلى التهديد المباشر لقوى كبرى: روسيا، الصين، إيران، فضلًا عن دول الجوار الأمريكي كالمكسيك وكوبا.
هذا السلوك لا يُقرأ كسياسة هجومية مدروسة، بل كـحالة نشوة استراتيجية ناتجة عن غرور القوة.
جنون القوة: حين يتحول الرئيس إلى أسطورة عن نفسه
التاريخ السياسي لا يرحم القادة الذين يصدقون أسطورتهم.
ترامب، في هذه المرحلة، لم يعد يتصرف كرئيس داخل منظومة مؤسسات، بل كقائد يعتقد أن الإرادة الشخصية يمكن أن تحل محل التوازنات الدولية.
إنه مزيج نادر من جنون فرعوني يرى العالم ملكًا شخصيًا، وغرور ديغولي متأخر يحاول إعادة إنتاج زمن لم يعد موجودًا. لكن الفارق الجوهري أن شارل ديغول تحرك داخل نظام دولي يسمح بالمناورة، أما ترامب فيتحرك داخل عالم متعدد الأقطاب، شديد الحساسية، سريع الاشتعال.
وهنا تصبح كل خطوة غير محسوبة دعوة مفتوحة للفوضى.
أوروبا خارج المعادلة… لا حليف في حرب غرور
أوروبا تدرك أن ما يجري ليس دفاعًا عن النظام الدولي، بل اعتداء عليه.
لذلك لن تدخل في مواجهة شاملة دفاعًا عن اندفاع أمريكي فاقد للبوصلة.
الاتحاد الأوروبي سيختار البرود الاستراتيجي:
لا قطيعة صريحة مع واشنطن، ولا انخراط في مغامراتها.
أما بريطانيا، فستبقى مترددة، عالقة بين إرث التحالف الأطلسي وواقع المصالح الوطنية، تبحث عن دور الوسيط لا الشريك في التصعيد.
هذا التفكك في الجبهة الغربية هو بحد ذاته مؤشر ضعف أمريكي، لا قوة.
الممرات المائية: حين تُفتح بوابة الرد غير المعلن
أخطر ما في المشهد لم يكن التصريحات، بل كسر المحرمات.
سرقة سفينة نفطية روسية ليست حادثة عابرة، بل إعلان ضمني بأن القانون البحري الدولي أصبح قابلًا للتأويل بالقوة.
وعندما يُكسر هذا الخط الأحمر، فإن الرد لا يأتي بالضرورة صاخبًا، بل تراكميًا، صامتًا، ومن أكثر من اتجاه.
الممرات المائية – شرايين الاقتصاد العالمي – قد تتحول إلى ساحات ضغط غير معلن.
وسفن الولايات المتحدة، عاجلًا أم آجلًا، ستواجه بيئة عدائية سياسية وأمنية، حتى دون إعلان حرب رسمي.
ففي عالم تتراجع فيه الشرعية، يصبح الاحتكاك البحري أداة الرد الأكثر فاعلية وأقل كلفة.
نحو الحرب الكبرى: لا رغبة… بل حتمية غرور
لا أحد يريد حربًا عالمية.
لكن الحروب الكبرى لم تبدأ يومًا برغبة جماعية، بل دائمًا بـغرور قوة واحدة ظنت أن الجميع سيرضخ.
فنزويلا لم تكن الهدف الحقيقي.
كانت المرآة التي كشفت لأمريكا وجهها الجديد: قوة غاضبة، متوترة، تخلط بين الردع والانتقام، وبين القيادة والسيطرة.
والتاريخ، حين يصل إلى هذه المرحلة، لا يكتب نهايات رحيمة.
بل يترك القوى العظمى تواجه نتائج اندفاعها وحدها.
ما نشهده اليوم ليس ذروة الهيمنة الأمريكية، بل بداية التآكل الكبير.
والحرب القادمة – إن اندلعت – لن تكون بسبب توازن القوى، بل بسبب فقدان العقل الذي يديرها.


