فتح الحوزة العلمية في سامراء بعد أكثر من قرن: قراءة في الدلالات الدينية والسياسية

فتح الحوزة العلمية في سامراء بعد أكثر من قرن: قراءة في الدلالات الدينية والسياسية
إعادة فتح الحوزة في سامراء تمثل تحولاً دينياً ومعرفياً كبيراً، يحمل أبعاداً روحية وسياسية، وقد يعيد توزيع النفوذ داخل المشهد الشيعي، ويعتمد نجاح المشروع على القيادة الرصينة، التمويل، والخطاب المعتدل...

لا أتوقف كثيرًا عند الأخبار اليومية، لكن بعض الأحداث تُجبرك على التمهل، لأنها ليست مجرد معلومة عابرة، بل علامة على تحوّل أعمق مما يبدو. إعلان السيد مقتدى الصدر إعادة فتح الحوزة العلمية في سامراء بعد أكثر من مئة سنة من انطفائها هو واحد من تلك الأحداث التي تستحق الوقوف أمامها بعين هادئة وقراءة متأنية.

الحوزة في سامراء ليست حدثًا جديدًا، بل هي ذاكرة بعيدة تعود بنا إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما انتقل إليها السيد محمد حسن الشيرازي، فحوّل المدينة إلى مركز علمي حيّ ونابض. آلاف الطلاب والعلماء مرّوا من هناك، وتحوّلت سامراء إلى مركز ينافس النجف وقم لسنوات طويلة. لكن بعد وفاة الشيرازي بدأت الحوزة تتراجع تدريجيًا، لأن القيادة العلمية التي كانت تحركها غابت، فعاد العلماء إلى النجف، وبدأت سامراء تستقر في دورها الروحي فقط، بينما غاب منها الدرس والبحث والاجتهاد.

اليوم، يعود الحديث عن الحوزة، ولكن في سياق مختلف تمامًا. فالعودة إلى سامراء تعني إحياء مكان ارتبط بمرقدي الإمامين العسكريين وبذاكرة الغيبة، وتعني إعادة الروح إلى مكان طالما شعر الشيعة بقيمته العميقة حتى وإن توقفت مؤسساته. وهي أيضًا محاولة لتأسيس مدرسة جديدة أو استعادة نهج علمي قديم، خاصة حين يتحدث الصدر عن نشر الدين “على وجهه الصحيح” وفق منهج آبائه. هذه العبارة وحدها كافية لفتح باب واسع من الأسئلة حول هوية الحوزة المقبلة وشكل خطابها.

ومن الجانب السياسي، فإن الخطوة لا تقل أهمية. فتح حوزة في سامراء يعني إعادة توزيع مراكز الثقل داخل المشهد الديني، ويعني أن التيار الصدري لا يتحرك فقط في ساحة السياسة اليومية، بل يسعى إلى تثبيت نفوذ معرفي وروحي طويل الأمد. وليس كما يراهن البعض على افوله وتلاشي قوته بمرور الوقت لعدم مشاركته في الانتخابات والحكومات..

إن اختيار سامراء تحديدًا يحمل جرأة واضحة، لأنها مدينة ذات حساسية خاصة وتركيبة دقيقة، ونجاح مشروع بهذا الحجم فيها يحتاج إلى هدوء، وحكمة، وإدارة واعية. كما أن ظهور مركز علمي جديد سيجعل النجف تتابع المشهد بصمت لكنها تراقب جيدًا، لأن أي حركة داخل الحوزة تعني تغيّرًا في طبيعة التأثير داخل المجتمع الشيعي كله.

المشروع كبير من حيث الطموح، وخطير بالوقت نفسه ، و ليس خاليا من التحديات. ويعتمد نجاحه  على وجود قيادة علمية رصينة لها وزن في الوسط الفقهي، وعلى تمويل مستمر يضمن استقرار الطلاب والأساتذة، وعلى خطاب معتدل يخفف من أي حساسية داخل المدينة، إضافة إلى ضرورة وجود منهج واضح يجعل الحوزة منتجة لا مجرد ضجة إعلامية.

إذا نجحت هذه الأسس، فربما تعود سامراء إلى موقعها الطبيعي؛ مركزًا للعلم ومدينة لا يقتصر دورها على الزيارة والقداسة، بل تمتد إلى الفقه والفكر والإجتهاد.

وربما يتخرج منها علماء ومراجع دين وفقهاء كبار..

في النهاية، يبدو أننا أمام خطوة تتجاوز كونها إعلانًا؛ إنها محاولة لإعادة تشكيل جزء من المشهد الديني في العراق، بطريقة مختلفة عمّا تعودنا عليه. سامراء تعود اليوم إلى الخارطة العلمية، وقد يكون هذا القرار بداية سلسلة تحولات أكبر في السنوات المقبلة. ما سيحدث لاحقًا سيكشف حجم هذا المشروع، لكن المؤكد أن إعادة فتح الحوزة بعد أكثر من قرن ليست مجرد فكرة… إنها رسالة بأن الزمن قابل لإعادة الكتابة، وأن بعض المدن لا تفقد دورها حتى لو غابت مؤقتًا.

ونعتقد أن القرار لم يكن وليد اللحظة وليس قابلا للتراجع وسوف تتمخض عنه امور وأحداث كبيرة في تاريخ العراق القادم.

انها حوزة علمية حديثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *