يشهد العراق منذ سنوات ارتفاعاً متراكماً في العجز المالي العام وزيادة الدين العام وتراجع القدرة على تمويل المشاريع التنموية مع مخاطر جدية تتعلق باستدامة الرواتب. وتشير التحليلات الاقتصادية إلى أن جذور هذه الأزمة لا تكمن في نقص الموارد بل في اختلال هيكلي في إدارة المالية العامة واعتماد مفرط على النفط وتضخم الجهاز الإداري وضعف آليات الرقابة والمساءلة.
تقدم هذه الورقة سياسة إصلاحية متكاملة تهدف إلى استعادة الاستقرار المالي وتعزيز قدرة الدولة على إدارة الموارد العامة بكفاءة وفعالية.
أولاً مدخل تحليلي
العراق يمتلك موارد طبيعية هائلة منها النفط والمياه والأراضي الزراعية إضافة إلى قوة بشرية كبيرة فضلاً عن السياحة في جوانبها المختلفة الدينية والاثارية والطبيعية، ومع ذلك فإن العجز المالي المزمن يشير إلى أن المشكلة ليست مالية بالأساس بل إدارية وهيكلية إذ تعتمد الموازنة بشكل شبه كامل على النفط ويتم صرف جزء كبير منها على الرواتب والنفقات التشغيلية في حين تبقى الاستثمارات منخفضة والرقابة محدودة، ما يضعف القدرة على النمو المستدام.
ثانياً : تشخيص المشكلة
تشير البيانات المالية إلى أن النفقات التشغيلية تشكل النسبة الأكبر من الموازنة العامة بما في ذلك الرواتب والمخصصات بينما يمثل الإنفاق الاستثماري نسبة ضئيلة مما يحد من قدرة الدولة على خلق فرص اقتصادية مستدامة وتحقيق نمو حقيقي.
كذلك فإن الاعتماد شبه الكلي على النفط يجعل المالية العامة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية ويحول السياسة المالية إلى إدارة أزمات مؤقتة بدلاً من التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل.
والعامل المهم هو الفساد المالي والإداري الذي صار ظاهرة عامة و أحد الأسباب الرئيسية للعجز المالي ، إذ يؤدي إلى هدر الموارد وضعف التحصيل وغياب الشفافية والمساءلة مما يزيد الضغط على الموازنة ويعيق تنفيذ أي إصلاح.
أما تضخم الجهاز الإداري وتوسع الدولة في التوظيف المباشر واعتمادها على كونها رب العمل الرئيسي فقد أدى إلى زيادة كلفة الرواتب وتراكم الوظائف غير المنتجة وهو ما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة الموارد البشرية.
و تشير بعض التقارير إلى ضعف المنظومة الضريبية والجمركية نتيجة التهرب المالي وضعف الرقابة ما يؤدي إلى إضعاف الإيرادات غير النفطية وتضخيم العجز.
ثالثاً: الأهداف الاستراتيجية للإصلاح المالي
١.ضمان استدامة الرواتب والالتزامات الأساسية للدولة.
٢. تقليص العجز المالي تدريجياً من خلال تحسين الإنفاق وزيادة الإيرادات.
٣.تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات.
٤. تعزيز الثقة بين المواطن والدولة عبر العدالة والشفافية.
٥. تحويل المالية العامة من أداة استهلاك إلى أداة للنمو الاقتصادي.
رابعاً: سياسات مقترحة للإصلاح
اعرض هنا بعض النقاط المهمة التي اعتقد انها كفيلة بإنهاء المشكلة والعودة إلى الانتعاش الاقتصادي الذي يليق ببلد غني مثل العراق.
١.حماية الرواتب لأنها حق وليست منة من أحد ، مع إعادة هيكلة الجهاز الإداري بما يحقق الإصلاح.
٢. وقف التعيينات غير الضرورية والوظائف الوهمية. ٣. إعادة توزيع الموارد البشرية وفق الحاجة والكفاءة.
٤. ربط الأجر بالأداء والإنتاجية. وإعادة النظر بسلم الرواتب.
٥. إعادة توظيف إيرادات النفط بالشكل الصحيح، فمن غير المنطقي وجود أكثر من فريق رياضي يعتاش على النفط.
٦. فصل إيرادات النفط عن النفقات التشغيلية. أو تحسين العملية بشكل فعال.
٧. تخصيص نسبة محددة لصندوق استثماري سيادي.
٨. توجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية ذات عائد متوسط وطويل الأجل.
٩.مكافحة الفساد وتعزيز المساءلة و تفعيل هيئات رقابية مستقلة.
١٠. إلزام المسؤولين بالإفصاح عن مصادر الثروة.ومن اين لك هذا!؟
١١. استعادة الأموال العامة المهدورة داخلياً وخارجياً.
١٢. تعزيز دور القطاع الخاص و تقليص دور الدولة كربّ عمل رئيسي.
١٣. دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
١٤. توفير بيئة قانونية مستقرة للاستثمار.
١٥. إصلاح منظومة الجباية. ١٦. إعادة هيكلة النظام الضريبي لضمان العدالة والكفاءة.
١٧. تعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية.
١٨. مكافحة التهرب الضريبي والكمركي.
خامساً: التحديات
هناك مجموعة تحديات ستواجه من يسعى لإصلاح النظام المالي ، واهمها، مقاومة التغيير من أصحاب المصالح القائمة، ضعف الثقة العامة بالإجراءات الحكومية، و الحاجة لتنسيق مؤسسات الدولة المختلفة لتحقيق الإصلاح الفعلي.
وهذه التحديات بحاجة إلى قيادة قوية جدا وخبرة كبيرة في التعامل مع الازمات السياسية والاقتصادية.


