رأي حــول الـموســوعـة الحـــرة

رأي حــول الـموســوعـة الحـــرة
ينتقد النص ضعف التحقق المعرفي في الخطاب السياسي والإعلامي، مبيّناً أثر الاعتماد غير النقدي على ويكيبيديا في تشويه مفهوم الدولة المدنية، ومؤكداً أن ما جرى انتخابياً في العراق لا يمثل هزيمة للفكرة المدنية بل إخفاقاً تنظيمياً ومعرفياً....

منذ القدم، ومن أجل ترصين مسار الوصول إلى المعلومة الحقيقية؛ وضع المفكرون معايير للتحقق، ومنها معيار عـــدم التنـاقـــض (الاتساق)، ومعيار التطـابـــق (النتيجة في الخارج)، ومعيار التـرابـــط (متفق مع غيره في الواقع)، ومعيار الوضـــوح (غير مشكوك في النتائج)، وغيرها من المعايير والمبادئ الواجدة للأفكار القابلة للتطبيق والتي تحقق النفع العام.

وفي هذا السياق استطاع أستاذ فلسفة العلوم كـــارل بـوبـــر في كتابه (#منطق_البحث_العلمي) أن يزرع فكرة ثورية جديدة في قلب البحث والتحقق، وهي (قابليـــة الدحـــض والتكذيـــب) بمعنى أن كل شيء لا يقبل الدحض والتكذيب فضلاً عن المناقشة فهو غير حقيقي، حيث بما أننا لا يمكن أن نقول عنه غير صحيح، ولم نشك فيه، فهو أشبه بفكرة معصومة، وما دمنا لا نستطيع مناقشته، فبالنتيجة إننا لم نختبره، ومؤدى ذلك سيجعله بعيداً عن العلم، لذلك يجب أن يكون تحت مجهر العلم، وبهذا يُخضع كارل بوبر كل شيء للمراجعة العلمية الدقيقة.

في طريق #الابتكارات الإلكترونية الحديثة ساهمت النهضة #التكترونية ( التكنولوجيا + الالكترونيات = العصر التكتروني، كما يحلو لفرانسيس #فوكوياما تسميته في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير) بخدمة الإنسانية والوظيفة العلمية عبر خلق محركات بحث معلوماتية، ومنها (الـموســوعــة الحـــرة – ويكيبيــديـا) التي أصبحت تستخدم على نطاق واسع كمرجع أصلي أو أساسي للاستدلالات العلمية والحوارية، فضلاً عن الاستنادات في التعبيرات ضمن الفضاء العام، وهذا أمر طبيعي فويكيبيديا تختزن ملايين المقالات في كافة فروع المعرفة الإنسانية، فضلاً عن اكتنازها بمئات الألاف من المعلومات الجاهزة عن كل بلد من بلدان العالم، وبلغات مختلفة، ولذلك هي محط أنظار الجميع في كل المجتمعات.

لكن ذلك لا يعصمها من الخطأ، بل لا يعفيها من الوقوع بالخطايا العلمية في أحايين كثيرة، وكذلك الزلل في الاثبات العلمي، والشطط في الإحالات المصدرية التي يجب أن تكون موافقة لسياق بناء المنهجية التحققية في كل نطاق ومجال مبحوث أو مستهدف في تصميم حقيقة معينة في الواقع.

بمعنى أوضح يبدو من طريقة عرض المقالات والمعلومات في #ويكيبيديا أن هناك ثغرات في قبول المقالات والمعلومات ونشرها، وسنعطي مثالاً على ذلك، لكن بعد إلفات النظر إلى مسألتين هامتين، وهما :

الأولى: الموسوعة الحرة ويكيبيديا نفسها تدعو مستخدميها إلى مراجعة مقالاتها ومعلوماتها، وهذا يعني أنها لم تصل إلى مستوى متقدم جداً يجعلها مرجعاً علمياً ثابتاً، بل أكثر من ذلك تدعو ويكبيديا كل من يقرأ مقالاتها إلى استخدام حق النقد والتقييم والتصحيح.

الثانية: لقد أضعف البحث الجاهز في ويكيبيديا قدرة الكثير من الأشخاص على البحث عن المعلومة الصحيحة والرأي الموثوق، وبالتالي وجد في داخل الأوساط العلمية والثقافية، فضلاً عن الأوساط الشعبية تساهلاً في تمرير المعلومات التي تؤسس للتعبير عن ظاهرة في المجتمع، ويتجلى هذا الضعف في توليد الأفكار في البيئات السياسية. ولكن يصعب الرد عليها بسبب استقوائها بمعلومات خاطئة واراء شعبوية لا قيمة لها.

أما المثال الذي نسوقه للاستدلال على عدم دقة ويكبيديا في مقالاتها ومعلوماتها فهو حول “مفهــــوم المدنيــــة” وستبدو لهذا المثال أهمية خاصة بالنسبة للواقع السياسي العراقي. جاء في ويكبيديا: [الدولة المدنية هي مصطلح غير علمي لا وجود له في القواميس السياسية، يُستخدم مصطلح الدولة المدنية كبديل لمصطلح الدولة العلمانية في السياق العربي، وكنقيض للدولة الدينية بسبب السمعة السيئة المشوهة للعلمانية في العالم العربي، ولا يوجد أي فرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية. ويتم تفسيرها غالبًا بأنها دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية].

في هذا التعبير الويكبيدي الكثير من المغالطات، لكنها ليست مهمة في سياق حديثنا، ما هو مهم من أجل البحث هو اعتبار “#الدولة_المدنية مصطلحاً غير علمي.. والأكثر من ذلك القول بعدم وجود للمدنية في القواميس السياسية! وهذا ما سنستدل على خلافه، مما يعني وجود تأثير سلبي لتعريفات ويكيبيديا في صياغة القناعات السياسية حول المفاهيم المعاصرة.

ولنختار تطبيق واحد بالاستناد إلى واحد من أهم قواميس ومعاجم العلوم السياسية، وهو (معجم علم السياسة والمؤسسات السياسية) الصادر عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع في 2005 وهو من تأليف (غي هرمية وبيار بيرنبوم وبرتيراند بادي وفيليب برو) وترجمة (هيثم اللمع) وجاء فيه: ( #المدنية مفهوم موروث عن القرن الثامن عشر، يسمح بالتفكير ضمن مسار فلسفي للدولة يؤيد الحقوق الأساسية للإنسان البشري، في ما يتجاوز الأفراد وفي ما يعارض الدولة..).

وفي هذا التعريف رفع لشبهتين.

الأولى : عدم وجود للمدنية في القواميس السياسية، وقد تبين خلاف هذا الزعم، بل تحظى الفكرة المدنية بأهمية شاملة وتفصيلية في المعاجم والقواميس السياسية.

الثانية: أن فكرة المدنية واضحة وتجمع في باطنها الأضداد السياسيين الذين يعبرون عن الأهداف السياسية والاقتصادية بطرق مختلفة. والسلطة في #الدولة_المدنية لمسار “الحقوق الأساسية للإنسان البشري”.

إذن لقد أخطأت #ويكبيديا في التعبير عن الدولة المدنية، وغررت بالكثير من المفكرين والمحللين لينقلوا تعبيرها بدون الرجوع إلى أصل البحث السياسي وهو المعاجم والقواميس الموثقة.

يجب أن يتم إشباع المناخ السياسي بالدقة العلمية وإلا بقيت السياسة تجــــارة مربحــــة يستسهلها كل تاجر لا علاقة له بحقوق الإنسان والممارسة الموضوعية، وهذا مع الأسف ما يحدث في الواقع العراقي، لاسيما بعد الانتخابات الأخيرة حيث قيل أن المدنيين مُنيوا بهزيمة ثقيلة ولم يحوزوا على دعم المجتمع العراقي، وفي هذا القول إجحاف سببه الوثوق السطحي بالمعلومات والمقولات الكثيرة التي تم ضخها عن عمد وقصد في الوسط الإعلامي والفضاء الالكتروني.

 ولمعرفة هذه الجزئية يجب بيانها كالتالي:

-الذين ترشحوا للانتخابات كمدنيين لم يترشحوا ضمن #مشروع_مدني متماسك له رؤية وبرنامج انتخابي وسياسي يركن إلى الفكرة المدنية ويرهن نجاحه بنجاح الدعم المدني، بل ترشحوا كخليط لا علاقة لبعضه ببعض، أي مواطنون يحق لهم الترشيح فقط.

– من تقدموا لخوض الانتخابات كمدنيين لم يتفق عليهم كل #الجمهور_المدني، الذي سمته البارزة النقمة على النظام السياسي الحالي الموبوء بالفساد، بل قاطعهم أغلب الجمهور المدني لأسباب مختلفة.

– الذين ترشحوا كمدنيين اقتحموا قلب الانتخابات في #معركة_خاسرة بالأساس، لأن الطرف الأخر الذي يتحدونه بيده كل أنواع السلطة والمال والنفوذ، وكان قادراً على إلحاق الهزيمة الانتخابية باي طرف أخر وليس المدنيين فقط.

– قامت #قوى_السلطة بشراء الكثير من الكوادر التي تحسب على المدنيين، وزجتهم هم وجماهيرهم في قوائم تابعة لها، فأصبحت أصواتهم في سلة خصومهم من الإسلامويين، وبقدر ما تعتبر هذه الطريقة النفعية من قبل القوى الراديكالية هزيمة للكوادر المدنية فإنها أيضاً إعدام مبكر لمسار نزاهة الفكرة المدنية التي يعتبرها البعض فكرة الخلاص من براثن أحزاب الإسلام السياسي.

فعلى هذا الأساس لا توجد هزيمة للفكرة المدنية، لأنه ليس هناك مشروع مدني واجه المشروع الإسلامي، بل مجرد خليط غير متجانس يطلق على نفسه مدني ليغاير الواقع السياسي المأزوم ويحاول مزاحمته ليُكون لنفسه كياناً سياسياً يحقق رغباته السياسية.

إن اغراق الوسط الإعلامي والفضاء الالكتروني بالأكاذيب لخلق قناعات معلبة تصوغ الواقع المفروض، سيرتد بالضرورة مع مرور الأيام على أصحابه الذين يبنونه.

في التحليل_السياسي الذي من المفروض أنه يبني الوعي السياسي، وربما حتى الوعي العام، نرى تسويغاً للكذب، فالكثير من المحللين السياسيين يُلقى عليهم القبض بجريمة الكذب وموبقة التناقض، ويفتضح أمرهم ولكنهم يفلتون بفعلتهم، على سبيل المثال شاع بين الكثير من المحللين السياسيين المناوئين للتيار الصدري بأن التيار سيشارك بالانتخابات النيابية، وقالوا ذلك على سبيل المعلومة وليس التحليل أو التكهن، ثم لم يشارك التيار في الانتخابات وانتهت مدة التسجيل القانونية وليس للتيار الصدري قوائم تشارك في الانتخابات، فتحولوا وقالوا بأن الصدريين سيشاركون بالانتخابات عن طريق قوائم ظل ليست باسم #التيار_الصدري، ولم يكشفوا عن هذه القوائم، وثبت مرة أخرى عدم صدقهم، ثم قالوا بأن الغاء المفوضية العليا للانتخابات للحبر البنفسجي من أجل مشاركة جماهير التيار الصدري في الانتخابات لصالح قوائم معينة، وانتهت الانتخابات وظل التيار الصدري غير مشارك فيها على الاطلاق.

لقد أصبح الكــــذب وعدم الدقة في الإعلام العراقي حالة طبيعية، بل يتم تأييدها من جهة، وعدم ردعها من جهة أخرى، إلا من قبل بعض الجهود التقييمية المتواضعة التي لا يهتم لها إلا القلة من النخب والمختصين والخبراء الموضوعيين والمنصفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *