سوط الخزانة: تهديد السيادة العراقية

سوط الخزانة: تهديد السيادة العراقية
تُظهر المقالة أن العقوبات الأمريكية على كيانات عراقية تمثل تهديداً مباشراً للسيادة، وتكشف ضعف الحكومة أمام الجماعات المسلحة، محذّرة من تحوّل الضغط الأمريكي إلى وصاية سياسية واقتصادية تُقيد استقلال القرار الوطني في العراق....

تتكئ معظم دول المنطقة في سياساتها الخارجية على إحدى دعامتين لتثبيت حضورها الدولي؛ الدعامة الأولى: هي التفوق الاقتصادي الذي يجعلها دولة مؤثرة حامية لمصالحها القومية، وقد تُضيف هذه الدول لهذه الدعامة أسلوباً داعماً في السياسة الخارجية وهو القوة الناعمة، كصناعة نمط ثقافي أو إعلامي عبر الطرق الاستثمارية والفرص التجارية لزيادة الفاعليات والضواغط السياسية

وتمثل دول مثل السعودية والإمارات هذا التوجه والمسار في السياسة الخارجية، وتؤثران بشكل كبير حالياً في البيئتين العربية والإسلامية. والدعامة الثانية: الضمانة الدولية الخارجية، وذلك عبر الارتباط بفاعل دولي يحمي مصالح الدولة النامية، ويرتب لها علاقاتها ويخطط مساراتها، وهذا النموذج أقرب ما يكون لدولة مثل المملكة الأردنية الهاشمية، فالولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى كالمملكة المتحدة توفر دائماً الحماية والمعلومات اللازمة للأردن لتجاوز التحديات والتهديدات الدولية والإقليمية والمحلية.

يليق بالعراق أن يدمج بين الدعامتين ليؤسس انطلاقة خارجية فريدة من نوعها، فالمخزون النفطي في العراق يُمكنه من تحقيق اقتصاد ناهض بعد القضاء على الفساد، وبعد وضع موازنات قائمة على رفع التخصيصات الاستثمارية على حساب النفقات التشغيلية، وعندذاك سيستفيد العراق من ثرواته ويتفوق اقتصادياً، وبملاحظة الرغبة الدولية في دعم النظام السياسي في العراق ستجد بغداد داعمين دوليين يتخادمون من أجل حماية مصالحهم المشتركة في العراق والمنطقة، لكن كل ذلك سيبقى “مع وقف التنفيذ” بسبب عدم قدرة القوى السياسية على الانتقال من دولة المكونات إلى دولة المؤسسات.

بين العقوبات والسيادة الوطنية

وبدلاً من خلق بيئة إيجابية للشروع بانطلاقة خارجية قوية؛ ساهمت القوى السياسية ولواحقها الفصائلية والمليشياوية بوقوع العراق تحت سوط وزارة الخزانة الأمريكية، وبدلاً من استثمار التحول الديمقراطي في العراق بعد 2003 لتعزيز التعددية؛ تفتقت العقلية السياسية الحاكمة ولواحقها المتنفذة عن تقديم الطائفية والتوافقية المحاصصاتية على الدولة العصرية الدستورية، ولذلك كان مصيرها أن تتلقى العقوبات الأمريكية، وهذا نذير شؤم جربه العراقيون منذ العام 1991 ونالوا نصيبهم من ويلاته وعذاباته.

لقد صعدت وزارة الخزانة الأمريكية، وهي هيئة حكومية تنفيذية يعمل فيها قسم ذو اهتمامات خارجية، من عقوباتها ضد كيانات وشخصيات عاملة في العراق، ويكمن في هذا التصعيد خطر كبير على العراق، ولكن ما هو أخطر منه أن تُصيب العقوبات مفاصل رسمية عراقية، وهذا ما حصل مؤخراً، وهنا سيبدو سؤال؛ هل أن الإدارة الأمريكية بفرضها عقوبات عبر وزارة الخزانة على كيانات وشخصيات رسمية تساعد الحكومة العراقية في عمليات السيطرة على النظام المصرفي، والسيطرة على حركة الجماعات غير الملتزمة بمؤسسات الدولة، أم أن هذه العقوبات تعني سوء العلاقة بين الحكومة العراقية والإدارة الامريكية؟

وتبدو الإجابة عن هذا السؤال المهم واضحة عندما نعرف أمرين مهمين وهما، أولاً: ماهي أسباب هذه العقوبات؟ وثانياً: ما هو رد الحكومة العراقية عليها؟

أثر العقوبات على الدولة

تسوق الولايات المتحدة أسباباً كثيرة لتبرر العقوبات التي تفرضها على كيانات وشخصيات في المنطقة، وتلتقي جميع هذه الأسباب لترتبط مؤخراً بالحد من النفوذ الإيراني، لكن سبباً واضحاً وهدفاً محورياً برز في الحزمة الأخيرة من العقوبات التي طالت شركة المهندس وشخصيات سياسية وتجارية ورياضية عراقية تتمثل في رغبة واشنطن بدعم نظام عراقي تديره المؤسسات الرسمية، وبقدر إيجابية هذه الفكرة الأمريكية فإنها تمثل تدخلاً مباشراً في الشؤون العراقية، فمن المفروض أن مطلباً من هذا النوع يتحقق بإرادة العراقيين أنفسهم، إلا إذا كانت واشنطن قد تلقت ضوءً أخضرَ من الحكومة العراقية لتلعب دوراً من هذا النوع لدعمها لمواجهة الجماعات التي تبني نظاماً سياسياً ومالياً موازياً لمؤسسات الدولة! وبمعنى أخر ترى الإدارة الأمريكية نفسها معنية بملف العراق الذي اسقطت نظامه، لذلك هي لا تريد التفريط به، وهذا يعني أنها منحت نفسها تفويضاً لإعادة العراق إلى ما بدأت به عام 2003.

قد يفسر البعض بأن رد الحكومة العراقية الدبلوماسي، والذي جنح إلى التهدئة بشكل واضح، يعبر عن قبول ضمني بهذه العقوبات، ولذلك يربط أصحاب هذا الرأي بين موقف الحكومة الرسمي عبر الناطق باسمها، وبين تهدئة من نوع أخر مارستها هيئة الحشد الشعبي عندما أعادت نشر بيان الحكومة العراقية والذي حمل مضامين متساهلة غير تصعيدية ضد أمريكا، لذلك يقول البعض: إذا كان موقف هيئة الحشد الشعبي بهذا الشكل المتساهل، فلماذا تُحرق بغداد سفنها؟! على طريقة (اذا كان القاضي راضي)!

لقد جاء تبني هيئة الحشد الشعبي لبيان الحكومة ليعبر عن وعي بالمشكلة الأساسية التي ستفرضها العقوبات الأمريكية، وهي أن هذه العقوبات مقدمة لمواقف أقسى ضد النظام في العراق، ولذلك يعتبر موقف الحشد إقراراً بأن الولايات المتحدة دولة حليفة وصديقة وعلاقات العراق معها تتميز بالاحترام، وعند هذه النقطة من المفروض أن من يتبنى هكذا قناعات عليه أن يعترف بأن البيان الحكومي كما عاتب واشنطن على عدم المشاورة والتنسيق بخصوص العقوبات، فإنه يقر أيضاً بان بغداد اعترفت بوجود نشاط اقتصادي ومالي يستغل الأوضاع في العراق لتمويل جماعات مسلحة.

لكن واشنطن لا تأبه لمواقف لفظية لا تتجاوز مجرد النأي بالنفس عن أسباب العقوبات التي تفرضها، لذلك لم تثنيها مطالبات الحكومة العراقية المستمرة لعدم اصدار عقوبات جديدة على العراق، فقد بدأت الحكومة العراقية عبر وزير الخارجية فؤاد حسين منذ فبراير شباط من السنة الحالية سلسلة مباحثات مع المسؤولين الأمريكيين لإعادة النظر بالتقييدات المفروضة على مصارف عراقية تطالبها بالإصلاح النقدي، ومراجعة العقوبات التي تفرضها على كيانات وشخصيات عراقية تتخادم مع جهات خارجية، لكن بغداد لم تستطع اقناع واشنطن بالعدول عن قراراتها، وهذا يعني أن العقوبات ليست مجرد عملية ضغط على الفصائل والمليشيات والكيانات والشخصيات المتخادمة معها، بل أن نسقاً في السياسة الخارجية يتنامى في العقلية الأمريكية تجاه العراق، ويبدو أن الحديث الأمريكي يتوجه من مجرد مواجهة النفوذ الإيراني في العراق الى “حماية الدولة في العراق” ولذلك ستتسلسل العقوبات التي تستهدف جهات رسمية داخل الدولة العراقية بما في ذلك المقربون من رئيس الوزراء العراقي والفاعلون في دعايته الانتخابية والساعون لتمكينه للولاية الثانية والشركاء المستقبلون المفترضون سياسياً واجتماعياً واقتصاديا، إن هذا النمط الأمريكي الذي يتدرج من وقف النفوذ الإيراني بمحاربة وكلائه في العراق إلى اسناد المؤسسات سيتحول إلى “وصاية” أمريكية، وكل ذلك بسبب نشاط الجماعات المسلحة غير القانوني، وهذا الوصف هو نفسه الذي استخدمه بيان الحكومة وأقرته هيئة الحشد الشعبي بإعادة

نشر البيان الحكومي في صفحتها الرسمية. لا تناقش هذه المقالة تأثير العقوبات الأمريكية على المعاقبين، لأن مجرد تخوفهم من هذه العقوبات، واستنكارهم لها، وتهدئتهم عملياً وواقعياً بعد فرضها؛ يعني أنها مؤثرة، ولكن المهم في هذا الموضوع هو أن واشنطن ماضية بهذه العقوبات رغم تقديم التنازلات من قبل الأطراف المُعاقبة، وأن الحكومة لم تستطع لا ردع الجهات التي تُعاقب عن الاستمرار بالخروقات والنشاط العابر للحدود، ولا ثني واشنطن عن التدخل بشؤون العراق.

إن الجماعات التي تتعرض للعقوبات تقترف خطأين مركبين يضران بالعراق بشكل عميق، الأول: هذه رإذا اعتبرت نفسها جماعات عراقية، فهم يسرقون أنفسهم ليمولوا فاعلين إقليميين ودوليين يعملون خلاف مصلحة العراق وسيادته واستقراره، هؤلاء يسطون على مقدرات العراق بحجج واهية لينتفع من هذا السطو جهات خارجية. والثاني: بأفعالهم التي يُعاقبون عليها يكشفون ضعف الحكومة ويسلطون عليها الإملاءات الأمريكية، وهذا الأمر يُقلل من القيمة السياسية والدبلوماسية للعراق على صعيد العلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *