جـــدل النقديـــة الانتخابيــــة

جـــدل النقديـــة الانتخابيــــة
يكشف النص أن القوانين الانتخابية في العراق تعاني من ازدواجية التطبيق، مع هيمنة الطائفية واستغلال موارد الدولة وخلق أعداء وهميين. النتيجة انتخابات شكلية بلا برامج تنموية، والحل عقد اجتماعي جديد يعزز التنافس الحقيقي والدولة المدنية...

قديماً قيل كل ما أتي قبل “لكـــن” لا قيمة له، كأن يقول المتحدث: (أنا اريد مساعدتك مالياً “لكن” ليس لدي أموال!) وهنا يعتبر كل ما قاله قبل “لكن” لا قيمة له، لأنه لن ينفعك بشيء، فبالنتيجة أنت تحتاج المساعدة المالية، وهو لن يمنحها لك.

هذا الحال ينطبق على إقرار العراق لقوانين متقدمة في مجالات #الحرية #والتعددية والمشاركة السياسية، فعدم تطبيقها لن يعطيها قيمة في الواقع، وستبقى حبراً على ورق، أو أن بعض هذه القوانين يُطبق في الواقع نسبياً ولكن تصيبه لوثة الازدواجية، فيطبق في موارد معينة دون أخرى، وعلى فرد أو جماعة دون الأخرين، وهذا ما نسميه “الـشكليـــة الـمقصـــودة”.

حضرت خلال العشرة أيام الأخيرة عدداً من الندوات التي تناقش التحضيرات والإجراءات الخاصة بـالعملية الانتخابية، ومن ذلك مناقشة جدوى قوانين الانتخابات و مفوضية الانتخابات والأحزاب في الواقع، واستمعت لعدة متحدثين رسميين وغير رسميين، قالوا (العراق يختلف عن جميع دول المنطقة في مجال تنظيم الحريات والتنظيم الانتخابي، ودستوره تضمن بنوداً واضحة لتعزيز التبادل السلمي للسلطة، وأقر البرلمان عدة قوانين تحمي الحقوق والحريات العامة والخاصة) وأيضاً أغلب هؤلاء أتبعوا هذا السياق التبجيلي باستدراك على متنه، وقالوا “لكـــن” المشكلة تكمن في تطبيق هذه المواد والبنود والقوانين، فمثلاً في موضوعة [السلاح المنفلت أو سلاح الفصائل] الجميع يعترف بوجود قوائم تتبع فصائل مسلحة، ولكن #قانون_الأحزاب الذي يمنع مشاركة قوائم انتخابية لديها أجنحة أو نشاطات عسكرية أو مسلحة، لا يُطبق على هذه القوائم، وهنا يفقد القانون قيمته في الواقع، والأكثر من ذلك يؤثر عدم تطبيق القانون على بناء معادلة #السلطة، لأن الانتخابات البرلمانية العامة هي من تُعيد تشكيل السلطة التنفيذية ذات الصلاحيات الكبيرة كل أربع سنوات. لقد تركز جدل عقيم خلال الأيام الماضية حول مادة إعلامية واحدة لها مضار كبيرة على الديمقراطية، ولها تأثير سلبي على التنمية الوطنية، وهي “الـطائفيـــة الـسياسيـــة” ووصل الأمر إلى الاستقطاب العلني باسم الطائفة، وتم الدمج بين سياقين لا علاقة لهما ببعضهما، ولا يجب أن يكون لهما وجود في الدولة الحديثة، دولة المؤسسات المدنية العصرية، التي هي الحل الوحيد لمشاكل العراق المتشعبة التي يُغذيها الفساد والأجندات الخارجية :

السياق الأول: ربط “المشاركة” في الانتخابات لحماية طائفة معينة، مما يعني أن “المقاطعة” تعني استهداف لهذه الطائفة، وهذه مغالطة كبيرة، سيؤدي تعميق الحديث فيها إلى إهدار فرصة البناء الديمقراطي التقدمي وإعطاء التكنوقراط استقالة دائمة، لأن السياق الانتخابي المبني على الاستقطاب الطائفي يعدم بالضرورة تمكين الكفاءات وأصحاب الاختصاص المستقلين عن المحاصصة والتوافق المناصبي والنفعي.

السياق الثاني: الذي أُقحم في قلب الطريق إلى الانتخابات هو ربط المشاركة في الانتخابات بقضايا عابرة للحدود، فقد نسج أتباع المشاركة الانتخابية سردية خرافية مفادها (إذا لم تكن من المنتخبين فأنت من المطبعين) وهذا التفكير خالٍ تماماً من أي رعاية للسلم المجتمعي والاجماع الوطني.

إن الانتخاب ما هو إلا حق وليس هناك أي شيء يُصيره فرض عين على المواطن، والمواد الدستورية والقوانين النافذة لا تقره إلا في هذا الإطار الطبيعي، وجعله حكماً شرعياً، كما يريده البعض، يحتاج إلى فتوى من مرجع جامع للشرائط، وبالإضافة إلى أن هذه #الفتوى_الشرعية غير موجودة، فنحن لسنا بحاجة لها على الاطلاق، وصيرورته #واجب_وطني يجعله بحاجة إلى إجراءات قانونية غير تقليدية، وهذا ايضاً لا نحتاج له إطلاقاً، فمن يرد المشاركة في الانتخابات لا يحق لأي أحد أن يمنعه، ومن يريد المقاطعة أيضاً لا يحق لأي قوة أن تجبره على المشاركة في الانتخابات، وما سياقات الإجبار إلا بسبب ضيق الخناق الذي وقعت به القوى الراعية للعملية السياسية لأنها فقدت فرص الإقناع الطبيعية المبنية على المنجزات والحقوق والتنمية الحقيقية.

الاستقطابات الانتخابية

وعندما نقول عن هذه الاستقطابات الانتخابية بأنها “سياقات” فنحن نقصد بأنها ممنهجة، ويلح القائلون بها على ترسيخها في الذهنية العامة، وهي تتقاطع مع أصول وأساسيات العملية الانتخابية #الديمقراطية النزيهة، وهنا تمتلئ العملية الانتخابية بكل أنواع السلبيات وتخلو من أهم أمرين يميزان العملية الانتخابية الحقيقية، وهما: البرامج الانتخابية ذات الأبعاد التنموية، وقيم وأخلاقيات العمل السياسي، وخلو العملية الانتخابية من هذين العنصرين الأساسيين يعني السير في [مســـار سياســـي منـــزوع القيـــم]، وهذا المسار سيجعل موارد الدولة عرضة للنهب والتوظيف في الدعاية الانتخابية.

في 31 من تموز الماضي وجه رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد رسالة رسمية إلى قادة #الإطار_التنسيقي يقترح فيها عدد من الاقتراحات لضمان سلامة العملية الانتخابية، ومن أهم هذه المقترحات (منع استغلال موارد الدولة) وتركز هذا المنع على إيقاف إجراءات تقوم بها مؤسسات السلطة التنفيذية كتوزيع قطع الأراضي والتعيينات في دوائر الدولة وغيرها من القرارات الحكومية، بعدها اجتمعت السلطات الثلاث برئاساتها الأربع وأقرت عدة مقررات لمنع استغلال موارد الدولة، ثم وجه رئيس مجلس القضاء الأعلى توجيهاً منفرداً لمراقبة ومتابعة استغلال موارد الدولة في الدعاية الانتخابية، والتبليغ عن المخالفات الانتخابية.

المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

في 18 أيلول الجاري أصدرت #المفوضية_العليا_المستقلة_للانتخابات عدة مقررات ركزت فيها على منع توزيع قطع الأراضي السكنية، ومنع منح كتب الشكر والتقدير، وإيقاف أوامر التعيينات في مؤسسات الدولة ودوائرها، والحد من استخدام إمكانيات الدولة المادية والبشرية، ولا يعكس كل هذا الكم من الاجتماعات والبيانات الرسمية إلا وجود حقيقي لاستغلال موارد الدولة في الواقع، وبعد كل هذه التوجيهات والمقررات، وكل أنواع الوعيد الرسمية، مازالت المخالفات مستمرة، وبعضها مرصود دون تطبيق القانون عليه.

ومن النقديات الجدلية التي تشتعل في كل موسم انتخابي “التخـــويف مـــن عـــدو وهمـــي” ولهذا العدو تجليات وتجسيدات مختلفة، وأهم تجسيد لهذا العدو “التخويف من البعث” ولكن المفارقة الأشهر في الانتخابات الحالية بخصوص التخويف من البعث؛ أن القوى التي تستخدم ورقة البعثيين أُجتث من قوائهما عشرات البعثيين عبر هيئة المساءلة والعدالة والمفوضية العليا للانتخابات، وهذا يعني أن هذه القوى تتحدث بلهجة سلبية عن البعثيين في الإعلام، وتتعامل معهم سياسياً وانتخابياً خلف الأبواب الموصدة.

وفي حقيقة الأمر أن استمرار النظام السياسي بمكافحة حزب البعث لحد الأن فيه مثلبة كبيرة على قوى السلطة، فهذا يعني أنها عاجزة على إنهاء أو مواجهة حزب سقط منذ 23 عاماً. لقد أعدم حزب البعث نفسه بنفسه ثلاثة مرات.

الأولى: عندما انخرط الكثير من كوادره بالعمليات الإرهابية، والثانية: عندما حارب العملية السياسية من الخارج بطرق غير شرعية، والثالثة: عندما دعم شخصيات فاشلة وفاسدة على حساب الشخصيات الوطنية، لقد كانت هذه الإعدامات الذاتية التي كتبها حزب البعث على نفسه كفيلة بمساعدة قوى العملية السياسية الحالية بوأده تماماً، والانتقال إلى عراق خال من المعزوفة البعثية، لكنها قوى غير ناضجة فضلت التناحر والاستيلاء على موارد الدولة، على صياغة عقد اجتماعي يحفظ مؤسسات الدولة ويُعقد علاقتها بالمجتمع، ويجعل المجتمع يثق بمؤسسات الدولة ولا يلجأ إلى قوى موازية.

إن خلاص العراقيين من الجدليات العقيمة – وهي جدليات تؤذي المجتمع وتؤسس ثقافة تخريبية مستدامة – لا يتحقق إلا بصياغة #عقد_اجتماعي جديد يرفض الطائفية ويعلي من شأن البرامج والمناهج التنموية الحقيقية، ومن أجل أن يُشخص المواطن طبيعة الجدل العقيم خلال الانتخابات فلينتبه إلى علاقات القوى السياسية ببعضها قبل الانتخابات وبعدها، كيف تتناحر فيما بينها وتكسر عظام بعضها البعض، وتخرق كل الأعراف من أجل الاستقطاب الانتخابي، ثم تعود بعد إعلان نتائج الانتخابات لتتقاسم المكاسب والمناصب، وتمنع أي فرصة للارتقاء بالنظام السياسي ليتكون بشكل صحيح على أساس المعادلة التنافسية الموضوعية الشهيرة (الأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة) لأن هذه القوى السياسية تتبع نظام محاصصة يمنحها الحصانة الدائمة من المحاسبة والجزاء القانوني والإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *