الاصولية الاعلامية: أجنحة الطائر المحنط –دراسة

الاصولية الاعلامية: أجنحة الطائر المحنط --دراسة
الأصولية الإعلامية تُحوّل وسائل الاتصال من فضاء للحوار وكشف الحقيقة إلى أدوات للتلقين والصراع، فتنتج خطاباً أحادياً يقوّض العقل والوعي، ويُعيد الإعلام إلى الانغلاق، ويمنع تطوّر الوعي الحضاري وتعدد القراءات....

رافق مصطلح “الأصولية” بشكل عام،  الحركات ذات المنشأ العقائدي أو الديني، خاصة تلك التي يؤمن أصحابها أو مريدوها، بأن كل ما يمكن مواجهته من مستجدات في مختلف شؤون الحاضر أو قراءة اتجاهات المستقبل، لابد  له من العودة الى اصل النص الديني أو العقائدي للمقارنة والقياس، ومن ثم معالجة الموضوع على ضوء الاصل وما ينتج عنه او يتفرع منه.

وفي التاريخ الحديث، تحولت “الاصولية” الى نوع من هوية ايديولوجية سياسية، تعني الجمود العقائدي ورفض الحداثة بكل اشكالها، بدعوى المحافظة على ” طهر ” العقيدة من الانحراف، والدعوة الى سلوك الطرق ذاتها التي سلكها السلف الصالح للوصول من ثم الى الحلول الافضل لمشكلات واقعنا.

لما كانت تلك الاصوليات تبحث عن وسائل تعبيرية لترويج خطابها، فقد دخلت وسائل الاعلام بتعدد اشكالها وتنوع مصادرها، كاحدى اهم واخطر اسلحة الاستخدام في مواجهة الاخر ودحض  خطابه، وعليه تتزايد بإطراد، الاهمية التي يلعبها الاعلام في حياتنا اليومية  المعاصرة، وبات الفضاء  يشهد ولادات جديدة تاخذ مكانها الى جانب تلك المولودات المتناسلة بإستمرار في ما يمكن تسميته “فوضى الصورة”، فهل إزدادت تبعاً لذلك مساحة الحرية التي تساهم في خلقها وسائل الإعلام هذه؟ وهل كان لذلك مردود إيجابي على تجلي الحقيقة و سيادة خطابها؟ وتالياً الحديث من خلالها عن سيادة العقل وحسن الادراك؟ ام انها لعبت دوراً سلبياً في خلق متلق سلبي وعقل مصادر؟

لقد سحبت ” الاصولية ” العقائدية، مفردات خطابها الى وسائل الاعلام، وقد تجلى ذلك في العديد من الظواهر التي شكلت سمات عامة يمكن من خلالها رصد تحولات البنية الاساسية التي اعتمدتها ما يمكن تسميتها بـ ” الاصولية الاعلامية ”

فالمتابع للقفزة التي حققها الإعلام العربي مثلاً، سيجد أن تلك القفزة وقفت عند سقوف معينة ثم بدأت رحلة العودة الى قاعدتها الاولى، فهذا الأعلام الذي إنتفض على ماكان سائداً من إعلام الانظمة والنخب الأديولوجية التي إجترت نفسها وتقولبت ضمن أطر ضيقة ذات بعد واحد وأفق محدود ـ في إعلامها كما في خطابهاـ، وبالتالي قدم ذلك الإعلام مدارس إعلامية متطورة كمّاً وكيفاً، كان من أهم مظاهرها، القدرة على إدارة حوار حضاري برؤية واداء طالما إفتقدناهما في مسلكياتنا وتوجهنا، فتعددت تبعاً لذلك مصادر المعلومة وتنوعت زوايا قراءتها وإستخلاصاتها، الامر الذي منح المتابع مستويات متتابعة لحرية الإختيار ومساحات رحبة للوعي،  هذا ما بدا عليه الأمرفي المراحل الأولى،  لكنه سرعان ما أنتكس تحت ضغط الثابت ” التليد ” في الخطاب العربي الذي أثبت قدرة في الصمود لا يحسد عليها .

لذا آلت عملية ” الإصلاح ” في الإعلام العربي، الى النتيجة ذاتها التي آلت اليها دعوات الإصلاح في الفكر العربي، فمفردة الحوار في ذلك الفكر تبدو، مفتقدة أصلاً أو بلا معنى، ذلك لأن الحوار يفترض إمتلاك كلّ من أطرافه، جزءاً من الحقيقة ـ أياً كان مقداره وأهميته ـ وأن الحقيقة ذاتها تبحث عن إكتمالها وتفاعلها ومن ثم توالدها وإرتقائها من خلال معنى الحوار/ الوسيلة، الذي تخرج منه الحقيقة وحدها منتصرة دائماً، وهوما يتطلب بالضرورة وجود رافعتين أساسيتين هما: حسن الإصغاء وصدق الكلام، وبغيابهما ينهدم سقف الحوار، أو يهبط الى مستوى آخر مختلف يدعى ” السجال “، وفيه يتمترس كل طرف خلف مسلمتين متلازمتين: كل يمتلك حقيقة مطلقة، وليس لدى الآخر ما يمكن سماعه ـ لذا يتحول السجال الى حرب كلامية ضروس يحشد فيها كل طرف ما يتمكن من حشده، ويلجأ الى ما يمكنه اللجوء اليه، من أجل هزيمة خصمه.

في حرب كهذه تغيب جملة من المعطيات  منها

1ـ حسن الإصغاء، حيث لا يعود له من دورالإ بمقدار إلتقاط الهفوات التي قد يقع بها الخصم.

2ـ سلامة الإدراك والوعي.

3ـ منطق العقل، الذي يخلي الساحة للغرائز والأحقاد لتنطلق بكامل عدتها وعتادها، ومن ثم تكون الغلبة لصالح منطق الإلغاء المعنوي، الذي يحاول كل طرف إلحاقه بالآخر.

ومع استمرار وشيوع هذا النوع من ” حوار ” تخرج  فيه الحقيقة وحدها مقطعة الأوصال، ويفقد الفكر أهم قيمه وعطاءاته، يتلاشى الحوارالحقيقي، ويسودالسجال الضارب بقبضته المتحجرة على عصب الحس والإدراك السليمين، ليشكل من ثم حاضنة للهستيريا واللامعقول، الأمر الذي يجر وراءه سلسلة لا تنتهي من الإخفاقات والدوران في حلقة مفرغة .

لكن ما سبب هذه ” الردة ” في الإعلام العربي؟ وهل هي كذلك حقاً؟ أم أنها مجرد عودة الى حضن  “الاصول”؟

يبشرخبير إعلامي: ” بأن الإعلام الناجح يسأل نفسه قبل أطلاق رسائله: ما الذي يدعو الجمهور … من استقبال رسائلي وقبول محتواها؟ وماذا تعني رسائلي لجمهوري المستهدف ”  أو ان (اهتمام المعلم الاعلامي، يجب أن ينصب على الجماهير المؤيدة لقضاياه أو التي يسهل كسب تأييدها ـ  ”

القاعدة الاعلامية المذكورة، تبعثر أجزاء مهمة من حقيقة وأهمية دور الإعلام، فالصحيح ان  بوصلة الإعلام ينبغي ان تتوجه نحو إظهار الحقيقة، وهو ما يسهم في نشر الوعي الحضاري وتهذيب الذوق وسيادة العقل والرؤية الفكرية السليمة لطبائع الأشياء والوقائع المحيطة، أي عن كل ما يجعل الإنسان يقترب من حقيقته الانسانية.

ولا يشذ عن تلك القاعدة ظروف الحرب ومتطلباتها، إذ ينبغي الأ يقدم الإعلام مجموعة من الأكاذيب أو أنصاف الحقائق تحت شعار التعبئة ورفع مستوى الاستعداد المعنوي أو ما شابه، لأن انكشافها ستترتب عليه نتائج سلبية تطال الجمهور والإعلام معاً، وقد جربنا ذلك في صوت ” تجوع ياسمك لأكل الصهاينة ” عام 67 حين كانت الطائرات المعادية تتساقط بالعشرات من فم طيب الذكر أحمد سعيد، نعم أن على الإعلامي ـ في ظل التنافس الحاد لإجتذاب المتلقي ـ البحث عن أنسب الطرق وأكثرها سلاسة لنقل الرسالة الإعلامية، على الّا يهبط الى ما دون الحدّ الذي تفرضه المهنة ذاتها.

أما أقتصار الإعلام على مخاطبة ” من هم معنا ” فسوف يحوله من وسيلة تواصل الى أداة توصيل، أي انه سيأخذ دور الكاهن ورجل الدين في الوعظ والإرشاد بما يظنه من إمتلاكه ” حقيقة مقدسة ” يقدمها الى رعية، ماعليها سوى قبول ما يفرضه ” المعلم ” الإعلامي  المفوه والعبقري.

ثم ما الذي  يمكن أن نقدمه لمن هم معنا؟

لا شك أن إعلاماً من هذا النوع، سيضطر الى تقديم ما يداعب مشاعرالجمهور ويرضي دواخله، وعليه فليس مهماً أن كان بربع حقيقة أم بنصفها، ولنا  في بعض برامج الضجيج المرتفع شواهد حية، حيث تأتي نتائج الاستفتاء المبرمجة لصالح من يلتقط اللحظة /الحدث، في اتجاهات التوتر لمشاعر الجمهورالمتابع، حتى لوبنى كلامه على الخلط والتناقض، فيما ينخذل من يتكلم بمنطق متماسك وقراءة موضوعية لطبيعة الحدث واشتقاقاته.

أن من يؤيد ذبح الاطفال وتفجبر المدارس والمستشفيات والمساجد، مبرراً ما يجري، بقوله “ان كل شيء جائز في الحرب”، يتجاهل ان منطقه هذا يبرر في الوقت عينه، للآخر جرائمه ضدنا،  ومع ذلك فصاحب هذا المنطق هو من يلقى التأييد والدعم، أما الذي يحاول تفحص المسألة بحيثياتها المختلفة لرؤية ما فيها من خطأ وصواب، فليس سوى القلائل يقفون معه.

ثم لو نمنا على فرضية أن الإعلام  سيلتزم بقاعدة “الاصولية الاعلامية “، وأقتصر على مخاطبة “من هم معه”، فهل سنصحو على العالم وهويشهد حقيقة بعض ممارسات الاحتلال الأمريكي في بعض المدن العراقية، أو جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين؟

لكننا رغم ذلك كله، لسنا بحاجة الى إعلام متطور ومنفتح،  يحترم وعينا وحريتنا ويقيم معنا علاقة تواصلية نتبادل من خلالها المعرفة والمعلومة والفكرة والمسؤولية، بل نحن أحوج مانكون للعودة الى إعلام البعد الواحد المتجه من “المعلم” الإعلامي مباشرة الى القطيع المتلقي، الذي يتحول والحالة هذه، من متلقن مساهم بايجابية في صنع الخطاب الاعلامي وتطويره، الى “ملقًن ـ بفتح اللام” عليه ان يسمع وينفعل وحسب،  أليس هذا ما يمكن استنتاجه من طغيان خطاب “الإصوليات الإعلامية”؟

لقد انتهت مغامرة الاعلام الحر، الذي بدأ ت بفضاءات الحوار واتساع وعوده، ثم تراجعت الى خنادق السجال ودهاليز وعيده، لتنحشر من ثم في دائرة أضيق، طائفية أومذهبية، بل وحتى عائلية، فأصبحت كل وسيلة إعلام تنتقي جوقتها الخاصة، يحلّون عليها ضيوفاً دائمين بالحرف المكتوب أو بالصورة والصوت، ليقلبوا الحائق او يجيروها لصالح وجهة نظرة احادية لا ترى نفسها معرضة لمساءلة أو انتقاد .

لكن المشكلة أن خطابنا الإعلامي، يفتقر الى مهارة خطاب “مارك أنطونيو” الذي استطاع التلاعب بمشاعر روما، فحول ” بروتوس ” ومن معه، من أبطال أنقذوا حرية روما من إستبداد ” قيصر “، الى قتلة متآمرين على معبود روما وصائن حريتها ” قيصر “، فماذا نصنع بإعلامنا ليكتسب تلك المهارة والقدرة؟

هل  يطالب الإعلام بالمزيد من التقوقع وضيق الأفق، لينتج المزيد من التعصب المصادر لسلامة الوعي وحسن الإدراك ؟ لقد تحول الكثير من الاعلام، الى مجرد اجنحة لطائر محنط، تمثل حركة الطيران، لكنها في المكان ذاته.

الأصولية الاعلامية، لم تقتصر في مفرداتها على الاعلامي العربي ـ وان كان السباق في هذا الجانب ـ فقد اتخذتها بعض وسائل الاعلام العراقية نهجاً ثابتاً في أدائها ومنطلقاتها السياسية والاعلامية على حدّ سواء، لكن اصولية الاعلام العراقي، كانت بمعظمها  من طبيعة منفعية آنية، أكثر من كونها ذات أبعاد استراتيجية اكثر ديمومة وثباتاً كما في أكثر سلوكيات الاعلام العربي تجاه العراق على وجه أوضح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *