يذكر الطبري في تاريخه، وهو يسرد مشهد بداية النزال في معركة بدر (2 للهجرة)، يحمل دلالة عميقة على طبيعة الوعي القبلي آنذاك. يقول: برز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، ثم نادوا: “مَن يبارز؟” فخرجت إليهم مجموعة من فتيان الأنصار — ستة منهم — لكن عتبة ردّهم قائلاً: “لا نريد هؤلاء، بل ليبارزنا رجال من بني عمّنا من بني عبد المطلب”. عندها قال رسول الله ص: “يا علي، قم. يا حمزة، قم. يا عبيدة بن الحارث، قم”. (الطبري، ج2، ص426)
هذه الواقعة، على ظاهر بساطتها، تختزن وراءها فهماً عميقاً لطبيعة الصراع في تلك اللحظة: فهي لم تكن مجرّد معركة بين إيمان وكفر، بل كان أيضاً نزاعاً ذا جذور قبلية عميقة، ترى قريش فيه أنّ المواجهة شأن داخلي بين ولد العم قبل أن تكون مواجهة شاملة بين جماعتين مختلفتين. تلك اللحظة تكشف أن العداء في جذوره لم يكن دائماً صراعاً عقائدياً مجرداً، بل صراع لُبسه ثوب الانتماء والكرامة العائلية؛ وعندما نتأمل في هذا السياق تاريخ السقيفة وما تلاه من ردود فعل قبائل الأطراف، نكتشف أن التحولات الكبرى في التاريخ السياسي الإسلامي لم تنطلق من فراغ أخلاقي أو لاهوتي، بل من بنى قبلية وسياسية متداخلة صنعت سلوك الجماعات تجاه السلطة والدولة.
القراءة المتأنية لنص الطبري تعيد تأكيد فكرة أن قريشاً اعتبرت نفسها الفاعل المركزي: المشكلة بالنسبة إليها كانت داخلية، نزاع شرف بين ولد العم، لا مسألة إجماع إيماني بين جماعتين متعارضتين. هذه الرؤية لم تكن عرضية؛ بل لعبت دوراً محورياً في تفسير سلوك قريش حتى فتح مكة (8 للهجرة)، وفي تفسير إدراك كثير من القبائل الخارجية بأن الخلافة — بمجرد موت النبي — قد عادت لتكون شأنًا قبليًا بحتاً. لذلك لم يكن مفاجئاً أن تكون ردة فعل كثير من القبائل هي الانسحاب أو الانتفاض، فهي رأت أن السلطة عائدة لذات مجموعة كانت قد واجهتها قبل سنوات، وأن الولاء المطلوب لا يستند إلى التماسك العقائدي بل إلى قهر سياسي.
سيناريو بديل للسلطة
لو وضعنا أمامنا سيناريو مغايراً: أن يشهد المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي بيعةً للمهاجرين للأنصاري سعد بن عبادة خليفةً بدلاً من أبي بكر، فإن المطلوب هو قراءة المسارات المحتملة بوصفها بنت تداخلات اجتماعية وسياسية لا مجرد تغيرٍ اسمي في شخص الحاكم. على مستوى ردود الفعل العامة، من المرجح أن تكون طبيعة “ردة القبائل” مختلفة: ليست بالضرورة انحساراً تاماً عن الإسلام أو انفجاراً حربياً بعنف الردود التاريخية التي عرفناها، لأن قضية كثير من القبائل لم تكن تعبر بالضرورة عن رفض للدين بقدر ما كانت احتجاجاً على استحواذ قبلي. حين تكون السلطة في يد أنصاري — على الأقل في بداياتها — تفقد حجة أن الخلافة اختُزلت إلى امتياز قرشي، لذا قد يضعف الدافع الجماعي للتمرد الشامل. لكن هذا لا يعني تحولاً سحرياً: منطق القبيلة يظل حاضراً، والمناطق الطرفية التي دخلت الإسلام مضطرة أحياناً في رفض العبء المالي أو النفوذ السياسي متى ما لم تحس بوجود رابطة ولاء قوية ومؤثرة.
أما مسألة علي بن أبي طالب، فقراءتي المتأنية تقول إن عليّاً، بشخصيته ومواقفه التاريخية، لم يكن ليتحول إلى مصدر نزاع حاد لو أن الخلافة ذهبت إلى سعد. فخلافة أنصارية ستبدد جزءاً كبيراً من الفراغ السياسي الذي أدى لاحقاً إلى صداماته مع قوى قرشيةٍ أخرى. علي لم يكن زعيم تحريكٍ سياسي بالمعنى العصبي؛ كان موقفه يغلب عليه حس التصحيح والحق الشرعي، لكن في غياب التسلسل القرشي الذي أنتج حالة ازدواجية القيم والولاءات. بهذا المعنى، فإن احتمال منافسة علي الصريحة على السلطة في سيناريو أنصاري يبدو بعيدا أو على الأقل بلا نفس الحدة التي عرفها التاريخ.
فقد ذكر الدينوري، أن عليا قال: أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي ص، وتأخذونه منا اهل البيت غصبا؟ ألستم زعمتم للأنصار انكم اولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا اليكم الامارة، وانا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون. (الدينوري، الإمامة والسياسة، 15)
ومن أخطر نتائج هذا التحول الافتراضي احتمالية إلغاء أو تحجيم بروز الخوارج كما نعرفهم. الخوارج هم ثمرة لحالة استثنائية من الانقسام: صراع قريشِيٌ – قريشِي على الأرض والشرعية، امتد إلى تفسير ضربات سياسية كبرى (كالتحكيم) فسقَطت منه شرعية العدل الإلهي لدى مجموعةٍ ما فشكَّلَت مذهباً معادياً للسلطة. لو لم تنشأ الثنائية التي أفرزت ذلك الصراع، فإن بيئة إنتاج فرقة كالخوارج اختفت أو على الأقل لم تنمُ بالشكل الطائفي والعقدي الذي عرفناه. ليس معناه غياب كل عنف أو اعتراض؛ فالنزعات القبلية قد تولّد مقاومات مسلحة متفرقة، لكنها ستختلف في نوعها عن الخوارج بوصفهم ظاهرة عقائدية وسياسية معاً.
تداعيات سيناريو بديل
إذا جُمعت هذه الاحتمالات، ينتج لدينا لوحة بديلة لتطور الدولة الإسلامية: دولة أقل هيمنةً قرشيةً، أقرب في طبيعتها إلى صيغة المدينة، بمجتمعٍ يحكم بالصحبة والشورى المتقاربة بين قادتها بدلاً من امتدادٍ لسلطة مكّة التاريخية. هذا لا يعني غياب التوترات؛ القريشيون لن يرضخوا بسهولة لمركزية جديدة تقلل من مكانتهم الرمزية والتاريخية. لكن الصراع سيبقى في غالب الأحوال سياسياً حول المصالح والهيمنة الإقليمية، أكثر من كونه صراعاً على الشرعية الدينية البحتة.
من هنا ينبثق استنتاج مهم: الفتن الكبرى التي طبعت القرن الأول ليست بالضرورة مجرد انعكاسات لفساد عقائدي، أو أخلاقي، بل هي انعكاس لطبيعة انتقالات السلطة في مجتمعٍ ما زال يُقاس بالقبلية والسمعة والانتقام. ويصبح واضحاً أن سؤال “ماذا لو…” لا يهدف فقط إلى تصنيع سرد بديل بل إلى كشف الشروط البنيوية التي صنعت التاريخ الفعلي. لو حكم سعد بن عبادة، لكان مسار التاريخ الإسلامي مختلفاً بلا ريب، وربما أقل دمويّة في نقاط محددة، وربما أكثر تمثيلاً لمبدأ التشاركية من بداياته. لكنه لم يكن ليلغي التحديات العميقة: صراع الولاءات، إشكالات فرض الضرائب، وتلاقي قوى رمزية متنافسة. التاريخ هنا ليس نتيجة قرارٍ واحد، بل شبكة علاقات ومصالح ومشاعر تقودها بنى قبلية وسياسية تنجو أو تنهار بحسب كيفية إدارتها للمشروعية والسلطة.


