مستقبل النفط ونقطة التحول التاريخية
نحن نعيش في عالم يتسارع خطوه نحو نقطة تحول تاريخية. فالطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية،
والبدائل التكنولوجية، لم تعد مجرد تطلعات بيئية، بل باتت واقعاً يفرض نفسه على الأسواق العالمية.
هذا التحول يحمل في طياته نبوءة اقتصادية حتمية، مفادها أن النفط في طريقه ليصبح سلعة رخيصة،
وأن الطلب العالمي عليه سيهبط بشكل حاد خلال العقود القليلة القادمة.
وأمام هذا التهديد الوجودي، تقف النظم السياسية والاقتصادية على طرفي نقيض في إدارة مواردها الناضبة.
ففي حين نجحت تجارب دولية في تحويل النفط إلى قارب نجاة للمستقبل، لا يزال الواقع العراقي يدور في فلك «فخ الاعتماد المفرط»، بما يهدد بانهيار اقتصادي وتصدع في العقد الاجتماعي عند جفاف المورد الأخير.
كيف فعلتها النرويج؟
تُقدّم التجربة النرويجية دراسة حالة ملهمة في علم السياسات العامة حول كيفية النجاة من «لعنة الموارد».
فرغم أن قطاع النفط والغاز يشكل عصب الاقتصاد النرويجي، بتمثيله نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي،
وأكثر من نصف قيمة الصادرات السلعية، فإن الدولة لم تسمح لهذا المورد بتخدير عقلها الاقتصادي.
يكمن السر النرويجي في الفصل المؤسسي الذكي بين تحقيق الثروة واستهلاكها.
فقد سنّت الدولة قاعدة الميزانية الصارمة التي تقضي بعزل إيرادات النفط بالكامل، وتوجيهها نحو صندوق التقاعد الحكومي العالمي، أي الصندوق السيادي، لاستثمارها في الخارج.
وبموجب هذه القاعدة، لا تمد الحكومة يدها إلى هذا الصندوق لتمويل نفقاتها اليومية، بل تكتفي بسحب معدل العائد الاستثماري فقط، بحدود 3% إلى 4%.
هذه السياسة لم تحمِ الأجيال القادمة فحسب، بل سمحت بنمو اقتصاد متنوع، يساهم فيه قطاع الخدمات بنسبة تتجاوز 57%.
كما تعتمد البلاد داخلياً على الطاقة المتجددة بنسبة 98% لتوليد الكهرباء. ولذلك، تبدو النرويج اليوم مستعدة لزمن ما بعد النفط.
الواقع العراقي وفخ الاعتماد المفرط
أما الواقع العراقي، فهو على النقيض تماماً. إذ يمثل العراق النموذج المثالي للدولة الريعية الاستهلاكية، حيث يسود فصام تام بين التحذيرات العلمية والسياسات المتبعة.
فالنفط في العراق ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل هو المانح الوحيد للحياة اليومية، والممول لأكثر من 90% من الموازنة العامة.
هذا الاعتماد المطلق أنتج عقداً اجتماعياً هشاً، يقوم على صيغة ضمنية مفادها أن السلطة توفر الوظائف الحكومية والرواتب من أموال النفط، مقابل الولاء أو القبول السياسي.
والنتيجة هي تضخم القطاع العام بشكل مرعب عبر تعيينات عشوائية، خلقت بطالة مقنعة تلتهم الأخضر واليابس. وهكذا تحولت الدولة من أداة إنتاجية إلى مجرد قناة لتوزيع الريع.
غياب المصدات الاقتصادية
تكمن الخطورة الكبرى في السيناريو العراقي في غياب المصدات الاقتصادية أو الصناديق السيادية الفعالة.
فكل دولار يأتي من برميل النفط يذهب فوراً إلى الاستهلاك الجاري، أي الرواتب والنفقات التشغيلية.
وهذا يعني أن أي انهيار دائم في أسعار النفط، نتيجة للتحول التكنولوجي العالمي، لن يؤدي إلى أزمة اقتصادية فحسب، بل سيترجم فوراً إلى عجز عن دفع الرواتب.
وعند هذه النقطة، لن يكون الخطر مالياً فقط. بل سيؤدي تلقائياً إلى انهيار العقد الاجتماعي،
وتصدع استدامة النظام السياسي ككل. فالدولة التي تبني استقرارها على ريع واحد، من دون إنتاج حقيقي أو صندوق سيادي أو تنويع اقتصادي، تضع مستقبلها كله على حافة برميل النفط.
الحلول المتاحة أمام العراق
إن القول بأن النفط مورد ناضب لم يعد ترفاً فكرياً أو تنبؤاً بعيد المدى. بل هو توقيت زمني تضغط ساعته بعنف، ولا يمتلك العراق رفاهية الوقت.
فالتحول إلى دولة إنتاجية، تنوع مصادر دخلها، وتفعّل قطاعاتها الحيوية، كالزراعة والصناعة والخدمات،
هو مخرج الطوارئ الوحيد لحماية السلم الأهلي والاستقرار السياسي.
ولا يمكن لهذا التحول أن يتحقق بالشعارات وحدها. فهو يحتاج إلى سياسة عامة واضحة، وإرادة سياسية،
وصناديق سيادية حقيقية، وإصلاح للهيكل الاقتصادي الاستهلاكي، وربط الإنفاق العام بالإنتاج لا بالريع فقط.
بين بغداد وأوسلو
إن العبرة من المقارنة بين بغداد وأوسلو تتلخص في جملة واحدة: النفط لا يصنع مستقبلاً مستداماً، بل الإدارة الحكيمة للنفط هي من تفعل ذلك.
لقد حوّلت النرويج النفط إلى جسر نحو المستقبل، بينما حوّله العراق إلى مصدر يومي للإنفاق والرواتب والتهدئة السياسية.
وفي الفرق بين التجربتين، يظهر معنى الإدارة الرشيدة، ومعنى الفشل الريعي، ومعنى الخطر القادم.
وعلى صناع السياسة العامة في العراق أن يدركوا أن بناء الصناديق السيادية وإصلاح الهيكل الاقتصادي الاستهلاكي لم يعد خياراً سياسياً، بل مسألة حياة أو فناء لأمة بأكملها، قبل أن تغلق التكنولوجيا العالمية الأبواب.


