التراجع البيئي العراقي وآثاره المركبة
في مقالات سابقة، ذكرنا أن الواقع البيئي العراقي يعاني من تراجع واضح، إلى درجة أن العراق صُنّف خامس دولة هشة وضعيفة لا تمتلك القدرات المادية والبشرية الكافية لمواجهة التغيرات المناخية السلبية.
ولهذا التراجع آثار ونتائج متعددة، سنتحدث هنا عن أبرزها، على أن تُستكمل بقية الآثار في مقالات لاحقة.
ويأتي في مقدمة هذه النتائج الأثر الصحي المباشر، ثم الأثر التعليمي الذي يتجلى في اتساع فجوة الفاقد التعليمي، وما يترتب على ذلك من إضعاف للموارد البشرية العراقية.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى التراجع البيئي العراقي بوصفه أزمة طبيعية أو مناخية فقط، بل بوصفه أزمة وطنية تمس الصحة العامة، والتعليم، والاقتصاد، ومستقبل الإنسان العراقي نفسه.
الأثر الصحي للتراجع البيئي العراقي
من أبرز آثار التراجع البيئي في العراق، وأشدها خطورة، الأثر الواقع على الصحة العامة.
فقد برزت حالات إصابة لم تكن مألوفة في المجتمع العراقي، ناجمة عن تلوث الهواء بالملوثات الإشعاعية التي ارتبطت بحرب عام 1991 وحرب عام 2003، حيث استُخدمت أسلحة ذات قدرات إشعاعية تبقى كامنة في الهواء وعلى سطح التربة.
ولا تقف أسباب التدهور الصحي عند هذه الحروب وحدها. فهناك أسباب أخرى، منها الموقع الجغرافي للعراق،
والاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، والزيادة المطردة في معدلات النمو السكاني مقابل ثبات الموارد الاقتصادية.
وقد تمثلت بعض هذه الآثار في كثرة حالات الولادات الميتة والمشوهة، وارتفاع نسب الإصابة بالأمراض السرطانية لدى فئات عمرية صغيرة. ومن الأمثلة على ذلك ارتفاع نسب الإصابة بسرطان الثدي بين الفتيات بعمر 10 إلى 12 سنة، فضلاً عن ارتفاع نسب العقم بين الرجال والنساء.
ذي قار نموذجاً للمساحات الملوثة
على سبيل المثال، في محافظة واحدة مثل ذي قار، يبلغ مجمل المساحة الملوثة بمختلف أنواع الملوثات الغازية والصلبة والمائية في ناحية الفهود 14 كم²، وفي ناحية أور 35 كم²، وفي سوق الشيوخ 30 كم².
هذه الأرقام تكشف أن الأزمة ليست نظرية أو بعيدة عن حياة الناس. فالمساحات الملوثة تعني هواءً ملوثاً،
وتربة متضررة، ومياهاً غير آمنة، وسكاناً يعيشون يومياً داخل بيئة ضاغطة صحياً ونفسياً واقتصادياً.
ولهذا، فإن التعامل مع التلوث في العراق يجب ألا يبقى محدوداً بإجراءات مؤقتة أو حملات إعلامية. المطلوب هو سياسة بيئية وصحية متكاملة، تبدأ من رصد المناطق الملوثة، وتمر بالمعالجة، ولا تنتهي إلا ببناء نظام وقاية يحمي السكان من التعرض المستمر للمخاطر.
السرطان وتلوث الهواء في العراق
بلغ مجمل الإصابات بمرض السرطان في العراق لعام 2024 نحو 46,390 حالة. وسجلت محافظة بغداد مجموع إصابات بلغ 11,642 حالة، تلتها محافظة البصرة بمجموع إصابات بلغ 3,558 حالة.
وترتبط حالة البصرة، وفق هذا السياق، بتلوث الهواء الناتج عن حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط من حقول المحافظة. وبذلك، أصبحت البصرة المحافظة الثانية في العراق من حيث حالات الإصابة بمرض السرطان.
مع العلم أن محافظة بغداد سجلت في عام 2023 مجموع إصابات بلغ 11,071 حالة. وبذلك يكون مجمل الزيادة خلال سنة واحدة قرابة 600 إصابة جديدة.
وتشير بيانات وزارة الصحة العراقية إلى أن نسبة الإصابات بمرض السرطان حالياً تبلغ 180.8 لكل 100,000 من السكان،
في حين كانت نسبة الإصابة لنفس العدد من السكان عام 1976 تبلغ 31.5. كما يبلغ معدل الوفيات حالياً بسبب الإصابة بمرض السرطان 58 حالة وفاة لكل 100,000 من السكان المصابين.
أمراض القلب والاختناق والتلوث
ينجم عن تراجع الواقع البيئي في العراق أمراض أخرى، تتمثل في كثرة حالات الاختناق، لا سيما في الأيام المتربة، وزيادة نسبة الإصابات بالأمراض القلبية.
وقد أجرى مركز متخصص واحد، وهو المركز العراقي لأمراض القلب التابع إلى دائرة مدينة الطب، 320 عملية جراحية خلال شهر حزيران لعام 2022. كما بلغ عدد المراجعين للعيادة الاستشارية 1,720 مراجعاً في الفترة نفسها.
هذه الأرقام تعكس حجم الضغط الصحي الناتج عن تداخل التلوث، والغبار، وتدهور الهواء، ونمط الحياة، وضعف البنى الوقائية. فالأزمة البيئية لا تنتج مرضاً واحداً فقط، بل تفتح الباب أمام سلسلة أمراض متداخلة تصيب القلب والجهاز التنفسي والمناعة والصحة العامة.
وقد لفتت معدلات التلوث والتراجع في الواقع البيئي العراقي أنظار مؤسسات إعلامية دولية،
حتى أنتجت هيئة الإذاعة البريطانية فيلماً وثائقياً بعنوان «تحت سماء مسمومة»، يبين معدلات التلوث ومعاناة سكان محافظة البصرة.
الأثر التعليمي للتراجع البيئي
يتمثل الأثر المهم الثاني للتراجع البيئي العراقي في زيادة الفاقد التعليمي. ويُعرف الفاقد التعليمي بأنه الفجوة بين ما هو مخطط لتقديمه للطلبة والتلاميذ من مادة علمية خلال العام الدراسي، وبين ما يحصل عليه الطلبة والتلاميذ فعلياً في الواقع.
وقد عزز التراجع البيئي الحاصل في العراق خلال العقود الأخيرة اتساع هذه الفجوة، بسبب كثرة العطل الدراسية الاستثنائية التي تحدث نتيجة العواصف الترابية، والتساقطات المطرية الفيضية، وغير ذلك من الظواهر المرتبطة بتدهور البيئة والمناخ.
وهكذا، لم يعد التراجع البيئي يؤثر في الصحة وحدها، بل أصبح يضرب انتظام التعليم أيضاً. فالمدرسة التي تُغلق بسبب الغبار أو الفيضانات أو الأوبئة، تنتج خسارة تعليمية تتراكم مع الزمن، وتنعكس على مستوى الطالب والمعلم والمؤسسة التعليمية كلها.
جائحة كورونا واتساع الفاقد التعليمي
اتسعت فجوة الفاقد التعليمي بشكل استثنائي خلال جائحة كورونا، حين أصبح الهواء ناقلاً للفيروس،
وبلغ مجموع أيام الإغلاق الكلي للمؤسسات التعليمية على اختلاف مستوياتها 255 يوماً.
وقد تضاعف أثر الفاقد التعليمي، لا سيما في المؤسسات التعليمية المختبرية، التي تحتاج إلى حضور عملي وتجارب مباشرة لا يمكن تعويضها بسهولة عبر التعليم الإلكتروني.
ونتيجة لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والبيئي خلال العقود الأخيرة في العراق، فقد التلميذ والطالب 59% من قدراته التعليمية.
وهذا رقم يكشف مدى عمق الأزمة، لأنها لا تتعلق بسنة دراسية واحدة، بل بمسار طويل من الاضطراب المتراكم.
الرسوب والتعليم الإلكتروني في واسط
على سبيل المثال، بلغت نسبة رسوب تلاميذ المرحلة الابتدائية في محافظة واسط للعام الدراسي 2020/2021 نحو 15.7%.
ثم انخفضت في العام الدراسي الذي يليه، بسبب تحسن إتقان وسائل التعليم الإلكتروني، لتبلغ 14.9%.
هذا الارتفاع في نسبة الرسوب خلال العام الدراسي 2020/2021 جاء بسبب تلوث الهواء بفيروس كورونا،
وكثرة العطل التي حصلت نتيجة تفشي الجائحة. ومن هنا يتبين الأثر السلبي الذي تركه تراجع الواقع البيئي العراقي على عملية التعليم، بشكل زاد من فجوة الفاقد التعليمي.
ولا تقتصر المشكلة على الرسوب فقط. فالطالب الذي يتعلم في بيئة مضطربة، ويتعرض لانقطاع متكرر عن المدرسة،
ويفتقر إلى انتظام تعليمي، يصبح أقل قدرة على اكتساب المهارات الأساسية، وأكثر عرضة للتسرب أو الضعف الدراسي.
التراجع البيئي والموارد البشرية العراقية
بالمجمل، يمكن القول إن تراجع الواقع البيئي العراقي أثر بشكل سلبي على الواقع الصحي والتعليمي للمواطن العراقي. ومن ثم، فإنه أثر سلباً على الموارد البشرية العراقية.
فحين تتراجع الصحة العامة، ترتفع كلفة العلاج، وينخفض مستوى الإنتاج، وتتزايد الضغوط على الأسر والمؤسسات الصحية.
وحين يتراجع التعليم، تتسع فجوة المهارات، وتضعف قدرة الأجيال الجديدة على دخول سوق العمل والمشاركة في التنمية.
ولهذا، فإن حماية البيئة في العراق ليست قضية تجميلية أو ثانوية. إنها شرط لحماية الإنسان، وصون الصحة العامة، واستعادة جودة التعليم، وبناء موارد بشرية قادرة على مواجهة المستقبل.


