الطائرات المُسيّرة الانتحارية الأمريكية «لوكاس» FLM-136 وتحوّل العقيدة الهجومية الأميركية في الشرق الأوسط

الطائرات المُسيّرة الانتحارية الأمريكية «لوكاس» FLM-136 وتحوّل العقيدة الهجومية الأميركية في الشرق الأوسط
تتجه العقيدة الأميركية نحو ردع منخفض الكلفة عبر مسيّرات FLM-136 المبنية على هندسة عكسية لشاهد-136، بهدف موازنة كلفة الهجوم والدفاع وتعزيز التفوق العددي والعملياتي في الشرق الأوسط ضمن استراتيجية «الضربة الرخيصة الذكية»....

مقدمة

يشهد التفكير العسكري الأميركي تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا فرضته معادلات جديدة في الاقتصاد القتالي وطبيعة الصراع في الشرق الأوسط. فمع تصاعد استخدام إيران ووكلائها للطائرات المسيّرة الانتحارية منخفضة الكلفة، وتحوّل (الإغراق الجوي الرخيص الثمن) إلى أداة استنزاف فعّالة وسلاح مؤثر ضد الدفاعات المرتفعة الثمن، خاصة خلال حرب ١٢ يوم مع إسرائيل، أدركت الولايات المتحدة أن الاستمرار في الاعتماد على منظومات الدفاع التقليدية عالية الكلفة لم يعد خيارًا فعّالًا ولا مستدامًا. هذا الإدراك ولّد تحوّلًا في العقيدة من مفهوم الردع عبر التفوّق التكنولوجي مرتفع الكلفة إلى ردع يقوم على اقتصاد القوة أي موازنة كلفة الهجوم مع كلفة الدفاع، وتبنّي قدرات هجومية مضادة تتمتع بالمرونة والانتشار الواسع وانخفاض الكلفة.

ومن داخل هذا التحوّل ظهرت المسيّرة الأميركية «لوكاس» FLM-136، التي أصبحت حجر الأساس في أول سرب هجومي أحادي الاتجاه للجيش الأميركي ضمن قوة المهام «العقرب» (Scorpion Strike)، في مقاربة جديدة تهدف إلى تحقيق تفوّق عددي ونوعي يواكب منطق ساحة المعركة الحديثة.

أولاً: نشأة السرب من الدفاع إلى المبادرة

تتحرّك العقيدة العسكرية الأميركية اليوم نحو ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد الردع الذكي)، وهو نهج يجمع بين التفوّق التقني والفاعلية الاقتصادية ويعيد تعريف كيفية إنتاج القوة واستخدامها في بيئات الصراع المعقّدة. هذا التحوّل لا ينبع من الحاجة التقنية فقط، بل من معادلة استراتيجية أعمق تعترف بأن الخصوم ـ وفي مقدمتهم إيران ووكلاؤها ـ نجحوا في فرض نموذج قتال منخفض الكلفة وعالي التأثير يستنزف الأنظمة الأميركية والإسرائيلية باهظة الثمن ويهدد بتقويض ميزان الردع التقليدي.

وقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية عن تشكيل أول قوة مهام لطائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه بعد أربعة أشهر من توجيهات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بضرورة تسريع إنتاج ونشر مسيّرات منخفضة التكلفة. أُطلق على هذه القوة “هجوم العقارب / سكوربيون سترايك” (TFSS) – Scorpion Strike Task Force، وهي مكوّنة من حوالـي 20 ضابطًا وجنديًا متخصصًا، ومكلّفة بتشغيل السرب الأول من مسيّرات FLM-136 لوكاس المنتشرة في الشرق الأوسط. ووفق القيادة المركزية فإن الهدف هو توفير مسيّرات هجومية رخيصة وسريعة الإنتاج تمنح القوات قدرة اشتباك فورية وتُستخدم للردع أو لتنفيذ ضربات دقيقة منخفضة التكلفة.

ثانياً: الهندسة العكسية… حين يقلّد الأميركيون خصومهم

للمرة الأولى منذ سنوات يعترف البنتاغون رسميًا بأن طائرة مسيّرة هجومية أميركية مبنية مباشرة على هندسة عكسية لطائرة إيرانية نوع (شاهد). ويرتكز التطوير على دراسة واسعة للطائرة الإيرانية شاهد-136 والطائرات الروسية جيران-2 (نسخة شاهد)، بالإضافة إلى الطائرة الإيرانية شاهد-131 التي استولى الأميركيون على حطامها. وقد كشفت تقارير “سي إن إن” و”وول ستريت جورنال” أن فرق التطوير الأميركية درست الشظايا وأجزاء أنظمة الملاحة وأساليب التصنيع ومنظومات الدفع، لإنتاج نسخة أميركية “فعّالة ورخيصة” مطابقة في الفلسفة العملياتية للشاهد–136.

ثالثاً: الخصائص التقنية للطائرة الأمريكية «لوكاس» FLM-136

تتميز «لوكاس» ببنية ثابتة الجناح بلا ذيل، وجسم أسطواني بقطر ثابت وجناح دلتا مع أطراف عمودية ومحرك احتراق داخلي مثبت في الذيل. وتقدّر حمولة الرأس القتالي بنحو 18 كغم. أما قدراتها الجوية فتتراوح تقديرات مداها بين 1000–1500 كم بزمن طيران يصل إلى 6 ساعات، مع قدرة على الطيران المنخفض لتفادي الرادارات. وتعمل الطائرة بتحكم ذاتي شبه كامل مع قدرات ملاحة مبنية على الذكاء الاصطناعي وخوارزميات توجيه متقدمة تتيح لها مواصلة المسار حتى عند التشويش.

ويمكن إطلاقها عبر المنجنيق والمقلاع أو بمساعدة صاروخية، ومن منصات ثابتة أو مركبات تكتيكية متنقلة، ما يجعلها مناسبة للانتشار السريع والميداني.

رابعاً: دوافع تبني “المسيّرة الرخيصة

ارتبط تبنّي واشنطن لهذا النوع من المسيّرات بثلاثة مصادر رئيسية: تصاعد هجمات إيران ووكلائها ومنها هجوم 2023 في شمال شرق الأردن الذي قتل فيه ثلاثة جنود أميركيين؛ ودروس الحرب في أوكرانيا حيث قلبت المسيّرات الانتحارية الرخيصة ميزان التكلفة مع استخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن لإسقاط مسيّرات منخفضة الكلفة؛ وأخيرًا مقاربة “الرخيص الفعّال” التي تدفع البنتاغون لامتلاك منظومات هجومية كثيرة ومنخفضة التكلفة وقابلة للإنتاج الضخم.

خامساً: مقارنة “لوكاس” الأميركية مع “شاهد-136” الإيرانية

كما في الملحق (أ).

سادساً: مشروع لوكاس داخل استراتيجية البنتاغون

لا يُعد مشروع FLM-136 مبادرة منفردة، بل جزءًا من خطة أكبر أعلنها البنتاغون في يوليو 2024 بعنوان: “إطلاق العنان لهيمنة الجيش الأمريكي على الطائرات بدون طيار”. وتشمل الخطة إنتاج أسراب ضخمة تضم مئات آلاف المسيّرات الرخيصة، ودمج الذكاء الاصطناعي بالهجمات الانتحارية، وتجهيز كل وحدة قتالية أميركية بمسيّرات هجومية قبل نهاية 2026، وبناء هيكل عملياتي مستوحى من “المسيّرات الإيرانية” لكن بجودة ودقة وتأثير أعلى.

سابعاً: الانتشار العملياتي… وأهداف واشنطن

اختيار الشرق الأوسط كمسرح أولي لنشر FLM-136 لم يكن صدفة. فالأهداف الأميركية تشمل الردع المباشر ضد إيران وحماية القوات والقواعد الأميركية، والاستعداد لهجمات سريعة دون الحاجة لطائرات مأهولة، والمشاركة في عمليات اعتراضية أو هجومية منخفضة التكلفة، إضافة إلى اختبار السرب في بيئة مليئة بالتهديدات الجوية الرخيصة. وبذلك باتت “سكوربيون سترايك” جزءًا من الضغوط العملياتية على طهران.

ثامناً: العقيدة الردعية الأميركية الجديدة

(عقيدة «الضربة الرخيصة الذكية»)
نجحت إيران في فرض معادلة “الضربة الرخيصة الدقيقة” خلال السنوات الماضية، وخاصة في حرب ١٢ يوم مع إسرائيل حيث عجزت القبة الحديدية عن التصدي للضربات الإيرانية المكثفة. وللمرة الأولى تبنّى الأميركيون العقيدة نفسها. وتعتمد هذه العقيدة على مبادئ أبرزها: الكثرة مقابل الدقة؛ تقليص فجوة التكلفة؛ الذكاء الاصطناعي بدلاً من الطيار؛ الردع بالابتكار؛ المرونة التشغيلية؛ إعادة تدوير تكتيكات الخصوم؛ والتواجد الدائم عبر أسراب FLM-136 التي ستفرض ضغطًا مستمرًا على إيران وأذرعها. إنها انعطافة جذرية في فهم الحرب الجوية منخفضة الكلفة.

الخــاتمة

تمثل الطائرة المسيّرة الأميركية FLM-136 لوكاس نقطة تحوّل في التفكير العسكري الأميركي. فبعد سنوات من الصراع مع المسيّرات الإيرانية قررت واشنطن أن تواجه السلاح ذاته بالسلاح ذاته لكن بذكاء اصطناعي وقدرة إنتاج أكبر. والسرب الجديد المنتشر في الشرق الأوسط هو مقدمة فقط لمرحلة ستشهد مضاعفة أسراب المسيّرات وتوسيع قدرات الهجوم الذكي وبناء ردع جديد يعتمد على “سلاح رخيص… فعّال… غير قابل للإيقاف”. إن انتشار “سكوربيون سترايك” يمثل بداية سباق جديد للمسيّرات الانتحارية في الشرق الأوسط، ستكون له انعكاسات عميقة على العقيدة القتالية وميزان الردع واستراتيجيات الدفاع. وهكذا تتشكّل ملامح عقيدة هجومية دفاعية هجينة تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى فرض معادلة جديدة على خصومها: معادلة تقول إن أدوات الإغراق الرخيصة لن تكون ميزة استراتيجية بعد الآن، لأن واشنطن قررت أن تواجهها بأدوات مماثلة في الكلفة متفوّقة في الذكاء والدقة والقدرة على المبادرة.

الملحق (أ)

جدول مقارنة بين لوكاس الأمريكية وشاهد 136 الإيرانية

(أبقيت محتوى الملحق كما هو، مع ترتيبه في فقرات متماسكة وفق الأسلوب العلمي)

١. التصميم والبنية

  • لوكاس: تصميم مستوحى مباشرة من شاهد 136 عبر الهندسة العكسية، جسم أسطواني ثابت القطر مع جناح دلتا وأطراف عمودية وبلا ذيل.
  • شاهد 136: جسم أسطواني وجناح دلتا وأطراف مستقيمة عمودية بتصميم بسيط منخفض التكلفة.

٢. الحجم والقياسات

  • لوكاس: الطول يزيد عن 3 أمتار (تقديري)، الوزن 200 كغم تقريبًا.
  • شاهد 136: الطول 3.5 م، باع الجناح 2.5 م، الوزن 200 كغم.

٣. المدى

  • لوكاس: مدى غير معلن يقدّر بمئات الكيلومترات.
  • شاهد 136: يصل إلى 2000 كم.

٤. القدرة التشغيلية

  • لوكاس: تحكم ذاتي كامل بذكاء اصطناعي وزمن تحليق نحو 6 ساعات.
  • شاهد: توجيه بسيط أقل ذكاء وزمن تحليق أقل.

٥. آليات الإطلاق

  • لوكاس: المنجنيق، الإقلاع الصاروخي، منصات ثابتة أو مركبات.
  • شاهد 136: منصة مائلة أو مقلاع ومركبات.

٦. الدور القتالي

  • لوكاس: هجمات دقيقة منخفضة التكلفة ضمن قوة “ضربة العقرب”.
  • شاهد 136: هجمات بعيدة المدى لاستنزاف الدفاعات.

٧. التكلفة

  • لوكاس: 20–40 ألف دولار (تقديري).
  • شاهد 136: 15–25 ألف دولار.

٨. التقنية والذكاء الاصطناعي

  • لوكاس: ذكاء اصطناعي ومستشعرات متقدمة.
  • شاهد: إلكترونيات بسيطة.

٩. الهدف من التطوير

  • لوكاس: مواجهة إيران وتجهيز كل وحدة أميركية بمسيّرات.
  • شاهد: نشر القوة الإيرانية واستنزاف الدفاعات.

١٠. السرية

  • لوكاس: مواصفات غير معلنة تابعة لسنتكوم.
  • شاهد: مواصفاتها معروفة بسبب الاستخدام الواسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *