مراحل حياة آية الله العظمى المرجع السيد موسى الشبيري الزنجاني (قدس سره) – سيرة العلم والدقة والتقوى

مراحل حياة آية الله العظمى المرجع السيد موسى الشبيري الزنجاني (قدس سره) - سيرة العلم والدقة والتقوى
رحيل آية الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني يطوي صفحة بارزة من تاريخ الحوزة العلمية في قم، بعد مسيرة امتدت عقوداً في التدريس والتحقيق الفقهي وعلم الرجال، عُرف خلالها بالدقة العلمية والزهد والتواضع وتربية أجيال من العلماء....

ارتحل إلى جوار ربه اليوم الاثنين الموافق 21 سبتمبر 2026

المقدمة:  أحد أركان الحوزة العلمية ومراجع الشيعة الكبار، آية الله العظمى السيد موسى الحسيني الشبيري الزنجاني، عن عمر ناهز 98 عاماً بعد مسيرة حافلة بالعلم والتدريس والتحقيق، قضاها في قم المقدسة. وقد أعلن مكتبه نبأ رحيله بعد وعكة صحية نقل على إثرها إلى العناية المركزة في أحد مستشفيات قم إثر مشاكل في الجهاز الهضمي وقصور في وظائف الكلى، وكان سبب الوفاة نزف معوي.

الولادة والنشأة في بيت العلم

ولد السيد موسى الشبيري الزنجاني في مدينة قم المقدسة في الثامن من شهر رمضان سنة 1346 هـ الموافق 30 مارس 1928 م، وقيل 1347 هـ، في أسرة علمية عريقة معروفة بالعلم والفضيلة. فهو نجل آية الله السيد أحمد الشبيري الزنجاني الذي كان من أساتذة الحوزة ويقيم الجماعة في مدرسة الفيضية.

وقد اختارت له والدته اسم “موسى” تبركاً وتكريماً للسيدة فاطمة المعصومة عليها السلام بعد أن استقر والده في جوارها، وكان ذلك من بواعث شكره لعنايتها.

نشأ في هذا الجو الروحي والعلمي، فبدأ دراسة العلوم الدينية منذ سن مبكرة جداً، فحضر الدروس الحوزوية عام 1359 أو 1360 هـ، وأكمل دروس السطوح في ثلاث أو أربع سنوات فقط، وكان أصغر الحاضرين سناً في درس الخارج عند السيد صدر الدين الصدر.

مسيرته العلمية بين قم والنجف

تميزت مسيرة السيد الزنجاني بالجمع بين حوزتي قم والنجف، وهو جمع قلّ نظيره.

في قم: تتلمذ على يد كبار الأعلام: والده السيد أحمد الزنجاني، والسيد حسين البروجردي حيث درس عنده كتاب الغصب والإجارة والصلاة، والمحقق الداماد السيد محمد اليزدي الذي لازمه 21 عاماً مع زملائه السيد موسى الصدر والشهيد السيد محمد بهشتي وأكمل على يديه دورة كاملة في الأصول، والسيد صدر الدين الصدر، والسيد محمد الحجة الكوهكمري، والشيخ مرتضى الحائري اليزدي، والإمام روح الله الخميني، والسيد رضا البهاء الديني.

في النجف الأشرف: سافر إلى النجف مرتين عام 1373 هـ و1374 هـ، وحضر هناك بحوث الخارج عند ثلاثة من مراجعها الكبار: السيد عبد الهادي الشيرازي في كتاب الصلاة، والسيد محسن الحكيم في كتاب الحج، والسيد أبو القاسم الخوئي في بحث الرضاع والأصول. وهذا التلمذ المزدوج جعله يحمل دقة قم وتحقيق النجف.

وكان يمتلك الإجازة الروائية من أربعة من العظماء: الشيخ آقا بزرك الطهراني، والسيد صدر الدين الصدر، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد عبد الله ثقة الإسلام الأصفهاني.

منهجه العلمي: مدرسة الدقة

عُرف السيد الشبيري الزنجاني بأنه من كبار أساتذة البحث الخارج في الفقه والأصول في حوزة قم، حيث أمضى أكثر من ستين عاماً في التدريس.

وكان منهجه يتميز بأمور:

أولاً: التعمق والتدقيق: كان لا يمر على المسألة مروراً عابراً، بل يتعمق في كنه القضايا. يقول أحد تلامذته حجة الإسلام مختاري: “يتميز بآراء جديدة وإبداعية في الأصول، فتراه يتعمق في كنه القضايا وذلك ما لا يدركه بعض الطلبة ممن يفتقد لقدرة فهم القضايا العلمية الدقيقة”. وكانت جلسات بحثه ليست مكتظة بالمستمعين لأنها تتطلب فضلاء بارعين يفهمون دقائقه.

ثانياً: علم الرجال: كان صاحب خبرة واسعة ونادرة في علم الرجال وتقويم الأسانيد ودراسة تاريخ الحوزات وتراجم العلماء وأنساب الأسر العلمية. وكان يتميز بذاكرة استثنائية جعلت مجالسه مصدراً مهماً لتوثيق كثير من الأحداث والشخصيات العلمية التي عاصرها أو تلقى أخبارها عن أساتذته.

ثالثاً: عدم إهدار الوقت: وهذه كانت سمته الخاصة التي يذكرها صهره الشيخ مهدي بيكدلي: “إن السعي لعدم إهدار الوقت تكوّن سمة آية الله شبيري الزنجاني الخاصة، حتى عندما كان يزورنا أو عندما نقوم بزيارته، فكان يخصص وقتاً قبل تناول الغداء أو بعد تناول العشاء، لمقارنة الكتب الأربعة بأمهات الكتب”.

وكان يؤم الصلاة في حرم السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، في مشهد روحي مهيب يجتمع فيه طلابه ومحبوه.

المرجعية والزهد

كان السيد الزنجاني أحد المراجع السبع الذين قدمتهم جمعية مدرسي الحوزة العلمية في قم بعد وفاة المرجع محمد علي الأراكي عام 1994، لكنه رفض قبول السلطة والمرجعية لفترة طويلة تواضعاً وزهداً.

ومن مظاهر زهده وبساطته أنه:

– لا يدفع الرسوم الدراسية المعتادة للطلاب في قم طلباً للشهرة

– لم يقم بإنشاء موقع على شبكة الإنترنت لمكتبه حتى منتصف 2013 ولم ينشر سيرته الذاتية

– حتى عام 1998 لم يكن قد نشر رسالة عملية تشرح المسائل الفقهية، وهذه العوامل جعلته أقل شعبية بين الجمهور العام رغم مكانته العلمية الرفيعة بين الخواص

وكان مرجعاً يرجع إليه في مسائل الاحتياط الوجوبي والتبعيض، لما عرف عنه من احتياط ودقة.

تلامذته وآثاره

تخرج على يديه جيل من العلماء والمحققين، منهم: المحقق الكبير السيد جعفر مرتضى العاملي، والسيد محمد كاظم الطباطبائي، والسيد عبد الهادي المسعودي، والسيد عادل العلوي، والشيخ رضا المختاري، والشيخ مهدي شب زندة دار.

أما آثاره العلمية فهي في الغالب تقارير دروسه وبحوثه في الفقه والأصول والرجال، التي دونها تلامذته، بالإضافة إلى ملاحظاته الدقيقة على الكتب الأربعة ومقارنتها بأمهات الكتب.

سماته الأخلاقية

يروي صهره أن تواضعه كان يبلغ درجة تجعل من حوله يخجلون، فهو دائماً ما يطالب أبناء أسرته بالالتزام بالتقوى وجعل الآخرة نصب الأعين، وفي تعامله مع أبناء أسرته، تكون التقوى والأخلاق والتواضع أسس شخصيته. وكان يحب الأئمة الأطهار حباً جماً، وكانت دموعه تنهال عندما يسمع رواية من أمير المؤمنين عليه السلام.

لقد فقدت الحوزة العلمية اليوم ركناً من أركان التحقيق، ومرجعاً جمع بين دقة الفقيه، وسعة اطلاع الرجالي، وصفاء المؤمن، وبساطة الزاهد. وبرحيله في هذا اليوم، انطوت صفحة من صفحات قم المشرقة التي عاصرت البروجردي والداماد والخوئي والحكيم.

رحم الله السيد موسى الشبيري الزنجاني وقدس سره الشريف، وحشره مع أجداده الطاهرين محمد وآل محمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *