كيف تُفكَّك المجتمعات في أربع مراحل وفقاً ليوري بيزمينوف؟

كيف تُفكَّك المجتمعات في أربع مراحل وفقاً ليوري بيزمينوف؟
يعرض نموذج يوري بيزمينوف للتخريب الأيديولوجي مساراً يبدأ بالتأثير الطويل في الإدراك، ثم زعزعة الاستقرار والأزمة والتطبيع. وتبقى قيمته إطاراً تاريخياً لفهم التأثير النفسي، لا قانوناً علمياً، فيما ترتبط مقاومته بالتفكير النقدي والثقة بالمؤسسات والمناعة المجتمعية...

في ثمانينيات القرن الماضي، ظهر يوري بيزمينوف في مقابلات ومحاضرات محذراً من نمط من الصراع لا يبدأ بالدبابات والجيوش، بل بالتأثير البطيء في وعي المجتمع ومؤسساته. كان بيزمينوف صحفياً سوفيتياً عمل في وكالة «نوفوستي»، وتفيد ملفات استخباراتية كندية رُفعت عنها السرية بأن عمله لم يقتصر على الصحافة، بل شمل أنشطة دعائية وتخريبية مرتبطة بالاستخبارات السوفيتية، قبل انشقاقه واستقراره في كندا.

في مقابلته الشهيرة مع غ. إدوارد غريفين عام 1984، قدّم تصوراً لما سماه «التخريب الأيديولوجي» أو «الإجراءات النشطة»: عملية طويلة تهدف، وفق رؤيته، إلى تغيير إدراك الناس للواقع إلى درجة يصبح معها المجتمع أقل قدرة على تقييم المعلومات واتخاذ قرارات تحمي مصالحه ومؤسساته. وقسّم هذه العملية إلى أربع مراحل: الإسقاط المعنوي، وزعزعة الاستقرار، والأزمة، ثم «التطبيع».

ولا ينبغي التعامل مع هذا التصور بوصفه قانوناً علمياً يفسر انهيار الدول والمجتمعات، أو دليلاً على أن كل أزمة اجتماعية تقف وراءها جهة خارجية. أهميته تكمن في أنه يعرض منطقاً محدداً للحرب النفسية والتأثير السياسي كما صاغه بيزمينوف في سياق الحرب الباردة: إضعاف المجتمع من الداخل بحيث تصبح أزماته وانقساماته نفسها أدوات ضغط عليه.

المرحلة الأولى: الإسقاط المعنوي

قدّر بيزمينوف هذه المرحلة بنحو 15 إلى 20 عاماً، وهي في نظره المدة اللازمة تقريباً لتنشئة جيل داخل بيئة فكرية وتعليمية مختلفة. وكان يعتبرها أخطر المراحل، لأن المشكلة بعد اكتمالها لا تعود مرتبطة بنقص المعلومات، وإنما بقدرة الإنسان على تقييم ما يصله منها. فقد يجري تقديم الأدلة والوقائع، لكن المتلقي يعيد تفسيرها من داخل منظومة فكرية أصبحت راسخة لديه.

هنا تصبح ساحات مثل التعليم والدين والثقافة والأسرة والقيم العامة ذات أهمية مركزية. والتغيير، بحسب هذا التصور، لا يحدث بقرار واحد أو حملة قصيرة، وإنما من خلال تراكم يمتد سنوات: تراجع التفكير النقدي لمصلحة التلقين، تسييس المعرفة، إضعاف المرجعيات الأخلاقية والاجتماعية، وتعميق القطيعة بين الأجيال.

المشكلة الأعمق ليست أن يختلف الناس في آرائهم؛ فالاختلاف طبيعي في أي مجتمع. الخطر يبدأ عندما تتآكل المرجعية المشتركة التي تسمح لهم بالاتفاق على الوقائع الأساسية والتمييز بين الخبر والتحريض، وبين النقد والتضليل. عندئذ ينتقل الصراع من الاختلاف حول تفسير الواقع إلى الخلاف حول وجود الواقع نفسه.

المرحلة الثانية: زعزعة الاستقرار

بعد مرحلة طويلة من التأثير في المجال الفكري والاجتماعي، ينتقل التركيز ـ في نموذج بيزمينوف ـ إلى القطاعات التي تقوم عليها قدرة الدولة. وقدّر مدة هذه المرحلة بسنتين إلى خمس سنوات، وحدد الاقتصاد والعلاقات الخارجية والدفاع بوصفها من المجالات الأساسية المستهدفة.

ولا يعني ذلك أن التضخم أو البطالة أو الفساد أو الاحتجاج السياسي دليل بحد ذاته على وجود عملية تخريب من هذا النوع. فهذه مشكلات قد تنتج عن اختلالات اقتصادية وإدارية داخلية بالكامل. لكن أثرها يصبح أشد عندما تقترن بانهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات.

فالمجتمع يستطيع تحمّل أزمة اقتصادية إذا كان يعتقد أن مؤسساته قادرة على إدارتها، وأن القانون يطبق بدرجة معقولة من العدالة، وأن هناك مساراً واقعياً للإصلاح. أما عندما تتراكم الأزمات مع شعور واسع بانسداد الأفق، فإن المشكلة تنتقل من ضعف الأداء إلى أزمة شرعية وثقة. وفي مثل هذه البيئة تصبح الشائعة أكثر فاعلية، ويصبح التضليل أقل كلفة، ويمكن للاستقطاب السياسي أو الطائفي أو العرقي أن يحول مشكلة قابلة للإدارة إلى انقسام أعمق.

وهذا ما يجعل زعزعة الاستقرار عملية تراكمية: الضغوط الاقتصادية تضعف الثقة، وضعف الثقة يقلل قدرة المؤسسات على إدارة الضغوط الجديدة، فتدخل الدولة والمجتمع في دائرة يصعب كسرها.

المرحلة الثالثة: الأزمة

بعد ذلك تأتي المرحلة الأقصر والأكثر حدة. قال بيزمينوف إن دفع بلد وصل بالفعل إلى مستويات متقدمة من زعزعة الاستقرار نحو أزمة حادة قد يستغرق أسابيع قليلة، وقدّر المدة بنحو ستة أسابيع.

لا تعني هذه العبارة أن دولة مستقرة يمكن إسقاطها آلياً خلال شهر ونصف. الفكرة التي طرحها هي أن سنوات من التآكل قد تسبق لحظة الانفجار، بحيث تكون الأزمة الأخيرة مجرد العامل الذي يكشف هشاشة تراكمت طويلاً.

وقد تكون الشرارة أزمة سياسية، أو صدمة اقتصادية، أو صداماً أمنياً، أو صراعاً على السلطة. عندها يمكن أن تتسارع الأحداث بصورة أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائها، وتظهر اضطرابات واسعة أو مواجهات داخلية أو تدخلات خارجية.

وفي أوقات الخوف وعدم اليقين يتغير سلوك المجتمع أيضاً. ترتفع قيمة الأمن الفوري، وتنخفض القدرة على تحمل المسارات السياسية الطويلة، ويصبح الناس أكثر استعداداً للقبول بحلول استثنائية كان يمكن رفضها في الظروف العادية. وهنا تكمن أهمية المرحلة الثالثة في نموذج بيزمينوف: الأزمة لا تصنع كل أسباب الانهيار، لكنها تجمع نتائج المراحل السابقة في لحظة واحدة.

المرحلة الرابعة: التطبيع

بعد الأزمة تأتي مرحلة أطلق عليها بيزمينوف اسم «التطبيع». والكلمة لم يستخدمها بمعناها المعتاد، بل استعارها بسخرية من الخطاب السوفيتي بعد دخول قوات حلف وارسو إلى تشيكوسلوفاكيا عام 1968، حين استُخدمت للإشارة إلى إعادة الوضع إلى «طبيعته» بعد إنهاء ربيع براغ. وقال إن هذه المرحلة قد تستمر زمناً غير محدد.

في هذا السياق، يعني «التطبيع» تثبيت موازين القوى التي أفرزتها الأزمة وتحويل الإجراءات الاستثنائية تدريجياً إلى واقع مألوف. ومع الإنهاك الاجتماعي والرغبة في استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، قد تصبح الأولوية لدى قطاعات من المجتمع إنهاء الفوضى، حتى إذا جاء ذلك مقابل التنازل عن بعض ما كان يُعد قبل الأزمة غير قابل للتنازل.

وهكذا يكتمل المسار الذي وصفه بيزمينوف: ما بدأ بتغيير بطيء في الإدراك ينتهي بواقع سياسي واجتماعي جديد يتعامل معه الناس بمرور الوقت باعتباره أمراً طبيعياً.

كيف تُواجَه هذه الحرب؟

كان جواب بيزمينوف يبدأ قبل الوصول إلى الأزمة بسنوات. فقد ركز على التعليم والقيم والمرجعية الأخلاقية والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ورأى أن مقاومة التخريب الأيديولوجي تتطلب مجتمعاً يمتلك مناعة فكرية وروحية تجعله أقل قابلية للتلاعب.

لكن «الوعي» هنا لا ينبغي اختزاله في مجرد رفض الدعاية القادمة من الخارج. المجتمع المحصّن هو أيضاً المجتمع القادر على نقد أخطائه، والتحقق من المعلومات، وعدم تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية، والمحافظة على مؤسسات تحظى بقدر كافٍ من الثقة.

ومن هنا تبقى الأسئلة التي أثارها نموذج بيزمينوف جديرة بالتفكير: هل يصنع التعليم إنساناً قادراً على التفكير والتحقق أم مجرد متلقٍ؟ هل ما زالت الأسرة قادرة على نقل القيم والخبرة بين الأجيال؟ هل يزيد الإعلام معرفة المجتمع أم يدفعه نحو غرف مغلقة من الاستقطاب؟ وهل تمتلك المؤسسات من العدالة والكفاءة ما يكفي للحفاظ على ثقة الناس بها؟

الحروب لا تبدأ دائماً عند الحدود. بعضها يبدأ في الطريقة التي يفهم بها الناس واقعهم، وفي مقدار الثقة التي تربطهم ببعضهم وبمؤسساتهم. ولهذا يبقى الوعي، بمعناه النقدي لا الشعاري، خط الدفاع الأول؛ لأن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً ليس مجرد تعرضه للدعاية، وإنما فقدانه القدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، وبين الخلاف الطبيعي وعملية التفكيك التي تجعل انقسامه نفسه سلاحاً موجهاً ضده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *