أين العرب سؤال لم يعد يحتمل التأجيل، ولا يصلح معه المزيد من بيانات القلق والاستنكار، ولا تلك العبارات الدبلوماسية الباردة التي تُكتب بعناية ثم تُحفظ في الأدراج، بينما تُحرق الأرض العربية ويُهجّر الإنسان العربي وتتحول أوطاننا إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية . اليمن اليوم ليس مجرد أزمة داخلية، وليس مجرد خلاف بين جماعات سياسية وعسكرية، كما أن الصراع اليمني ـ السعودي لم يعد شأناً يمكن النظر إليه من خلف النوافذ العربية المغلقة . ما يحدث هناك يمس الأمن العربي في عمقه، ويمس أمن المملكة العربية السعودية، ويهدد اليمن وشعبه، ويطال البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات الاستراتيجية التي ترتبط مباشرة بأمن المنطقة والاقتصاد العالمي . ومع ذلك، يبدو المشهد العربي وكأنه اعتاد على الكارثة .
كأن الدم العربي أصبح خبراً يومياً لا يستحق أكثر من بضعة أسطر . وكأن سقوط الصواريخ على الأراضي السعودية، واتساع رقعة القتال في اليمن، ونزوح عشرات الآلاف من اليمنيين، لا يعني شيئاً للعرب إلا عندما يصل الخطر إلى حدود دولة أخرى . في الأيام الأخيرة، تجددت المواجهات بين السعودية والحوثيين، بينما شهد اليمن موجة نزوح جديدة تجاوزت 112 ألف شخص وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، مع فرار آلاف آخرين عبر البحر نحو جيبوتي . وفي الوقت نفسه، امتد التصعيد إلى مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر واقترب أكثر من باب المندب .
فماذا ينتظر العرب ؟ هل ينتظرون أن تصبح النار في كل بيت عربي حتى يكتشفوا أن الحريق واحد ؟ هل ينتظرون أن يغلق باب المندب حتى يدركوا أن الجغرافيا العربية ليست خرائط منفصلة ؟ هل ينتظرون أن تتوسع دائرة الصراع حتى تصبح العواصم العربية كلها أمام واقع جديد لا تستطيع تغييره ؟ إن أكثر ما يوجع في المشهد ليس فقط استمرار الحرب، وإنما ذلك الصمت العربي الذي أصبح أشبه بسياسة ثابتة . لقد أصبحنا نرى الآخرين يتحركون لحماية مصالحهم، بينما يكتفي العرب بمراقبة انهيار أمنهم القومي .
الصين تتحرك عندما تشعر بأن مصالحها الاقتصادية وأمن الملاحة مهددان، والقوى الدولية تدرس انتشارها العسكري عندما تقترب المخاطر من طرق التجارة، والدول الإقليمية تتحرك عندما ترى أن ميزان النفوذ يميل في اتجاه لا يخدم مصالحها، بينما العرب، أصحاب الأرض والجغرافيا والتاريخ والمصلحة المباشرة، يتعاملون مع الأحداث وكأنها تجري في قارة أخرى .
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة . كيف يستطيع العالم أن يرى أهمية باب المندب، بينما لا يرى العرب أهميته ؟ كيف يستطيع الآخرون أن يدركوا أن السيطرة على الممرات البحرية تعني امتلاك ورقة استراتيجية هائلة، بينما يبقى الموقف العربي متردداً ومجزأً ؟ إن التطورات الأخيرة جعلت الخطر أكثر وضوحاً، فقد أشارت تقارير حديثة إلى أن التقدم الحوثي على ساحل البحر الأحمر عزز المخاوف من تهديد الملاحة الدولية ومن امتداد النفوذ الإيراني إلى نقاط بحرية شديدة الحساسية . وهنا لا بد من قول الحقيقة بصراحة .. إن التخاذل العربي لا يعني غياب العرب عن البيانات، بل غيابهم عن صناعة القرار . العرب يتحدثون كثيراً، لكنهم لا يتحركون بما يكفي . يعقدون الاجتماعات، ويصدرون البيانات، ويكررون عبارات التضامن، ثم يتركون الملفات الساخنة لمن يملك الإرادة والقدرة على التحرك . وهذه ليست مشكلة اليمن وحده .
إنها مشكلة عربية مزمنة: أن نمتلك الجغرافيا والثروة والتاريخ والموقع الاستراتيجي، لكننا لا نمتلك دائماً الإرادة السياسية الموحدة التي تجعل هذه العناصر قوة حقيقية . لقد دفع اليمن ثمناً باهظاً . أكثر من عقد من الصراع ترك اقتصاد البلاد منهكاً، وخدماتها الأساسية في حالة شديدة التدهور، فيما تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 22 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وحماية خلال عام 2026، وأن 18.3 مليون شخص يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينما يعاني أكثر من مليوني طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد .
أيها العرب، ماذا بقي بعد كل هذا ؟ هل يكفي أن نقول إننا قلقون ؟ هل تكفي كلمة “ندين” ؟ هل تكفي المؤتمرات ؟ هل تكفي الصور الجماعية أمام عدسات الإعلام ؟ الشعوب لا تحتاج إلى صور جديدة، بل تحتاج إلى أفعال . اليمن لا يحتاج إلى خطبة عربية جديدة، وإنما يحتاج إلى مشروع عربي للسلام . والسعودية لا تحتاج إلى تعاطف لفظي، وإنما تحتاج إلى موقف عربي واضح تجاه أي تهديد يطال أمنها وسيادتها . وفي المقابل، اليمنيون لا يحتاجون إلى مزيد من القنابل والصواريخ، بل يحتاجون إلى دولة قادرة على جمع أبنائها تحت سقف واحد، وإلى تسوية سياسية تحفظ وحدة اليمن وسيادته، وتمنع تحويل أراضيه إلى منصة لصراع الآخرين .
وهنا يجب أن يكون الموقف العربي واضحاً ومتوازناً . ليس المطلوب أن يقف العرب مع طرف ضد طرف، وإنما أن يقفوا مع الدولة العربية، وسيادة الدول العربية، وأمن الشعوب العربية، والحل السياسي العربي المدعوم دولياً . لا يمكن قبول استهداف السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما لا يمكن قبول استمرار اليمن في دوامة حرب لا يدفع ثمنها أصحاب القرار وحدهم، وإنما يدفعها المواطن الفقير والطفل والمرأة والنازح . ولا يمكن أن يبقى اليمن ورقة في يد أي قوة إقليمية . كما لا يمكن أن تبقى السعودية وحدها في مواجهة تهديدات تمس أمنها وأمن الخليج والبحر الأحمر . إن الأمن العربي لا يتجزأ. ومن يعتقد أن سقوط مدينة يمنية بعيدة عنه لا يعنيه، عليه أن يتذكر أن الجغرافيا لا تعرف البيانات السياسية . ومن يظن أن استهداف السعودية قضية سعودية فقط، عليه أن ينظر إلى خريطة البحر الأحمر .
ومن يظن أن باب المندب شأن يمني، عليه أن يسأل لماذا سارعت قوى دولية إلى التحرك عندما شعرت أن الملاحة أصبحت مهددة . العالم يفهم مصالحه . فلماذا يعجز العرب عن فهم مصالحهم ؟ هذه هي المعضلة الحقيقية. إن العرب ليسوا فقراء بالموارد، وإنما يعانون من فقر في القرار المشترك. لدينا دول تملك المال، ودول تملك الموقع، ودول تملك القوة العسكرية، ودول تملك الخبرة الدبلوماسية، ودول تملك القدرة على الوساطة، ولدينا تاريخ وثقافة وشعب يمتد من المحيط إلى الخليج، لكننا نعجز في كثير من الأحيان عن جمع هذه العناصر في مشروع واحد.
وهذا العجز هو الذي يجعل الآخرين يتقدمون إلى ساحاتنا . كلما ترك العرب فراغاً، ملأه الآخرون . وكلما غابت المبادرة العربية، حضرت المبادرات الأجنبية . وكلما تأخر العرب عن معالجة أزمة عربية، أصبحت الأزمة أكثر تعقيداً، وأكثر كلفة، وأصعب حلاً . ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: أين العرب من اليمن ؟ بل: إلى متى سيبقى العرب خارج صناعة مستقبلهم؟ إن المطلوب اليوم ليس حرباً عربية جديدة. ولا المطلوب إرسال الجيوش إلى اليمن .
ولا المطلوب فتح جبهة أخرى . المطلوب موقف عربي قوي، واضح، مسؤول . موقف يبدأ بالضغط من أجل وقف التصعيد، وفتح قنوات الحوار، ودعم مسار سياسي يمني شامل، وضمان أمن السعودية، ومنع استخدام الأراضي اليمنية لاستهداف الدول المجاورة، وفي الوقت نفسه حماية المدنيين ودعم الإغاثة وإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية .
والمطلوب أن يكون هذا التحرك عربياً أولاً، ثم يأتي الدور الدولي داعماً له، لا بديلاً عنه . لقد آن للعرب أن يفهموا أن السلام ليس استسلاماً . والحوار ليس ضعفاً . والتسوية ليست هزيمة . الهزيمة الحقيقية هي أن يستمر العرب في مشاهدة أوطانهم وهي تحترق ثم يسألون بعد سنوات: كيف حدث ذلك ؟ لقد حدث لأننا تأخرنا . حدث لأننا تركنا الآخرين يقررون . حدث لأننا تعاملنا مع أزماتنا كملفات منفصلة، بينما كانت القوى الأخرى تراها أجزاء من لوحة استراتيجية واحدة .
واليوم، اليمن يقف أمام اختبار جديد . والسعودية تقف أمام تهديد أمني متصاعد . والبحر الأحمر أمام اضطراب خطير. والمنطقة كلها تعيش فوق برميل من التوتر . فهل يستيقظ العرب؟ أم ننتظر أن يصبح الاستيقاظ مستحيلاً؟ إن الصمت في لحظة الخطر ليس دائماً حياداً، وقد يتحول إلى مشاركة غير مباشرة في استمرار المأساة . والتخاذل لا يُقاس بعدد الجيوش التي لم تتحرك، بل بعدد الفرص التي ضاعت وكان يمكن فيها إنقاذ حياة، أو فتح باب تفاوض، أو منع تصعيد، أو جمع أطراف متخاصمة حول طاولة واحدة .
إن التاريخ لا يسأل فقط .. من أطلق الرصاصة ؟ بل يسأل أيضاً: من كان يستطيع منعها ولم يفعل ؟ وهنا تقع مسؤولية العرب . مسؤولية الدول، ومسؤولية المؤسسات العربية، ومسؤولية النخب السياسية والثقافية والإعلامية . لقد آن أن يتحول الخطاب العربي من ردود الفعل إلى المبادرة، ومن بيانات الإدانة إلى صناعة الحلول، ومن انتظار الوسيط الأجنبي إلى امتلاك الوساطة العربية . اليمن عربي . السعودية عربية . البحر الأحمر جزء أساسي من الجغرافيا العربية . وأمن الخليج أمن عربي .
وباب المندب ليس ملكاً لصراع إقليمي، ولا يجوز أن يتحول إلى رهينة للقوى المتنافسة . إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد العرب على رؤية الخطر حتى يصبح طبيعياً . أن يعتادوا على النزوح حتى يصبح رقماً . وعلى الدم حتى يصبح خبراً . وعلى الصاروخ حتى يصبح مشهداً يومياً . وعلى الانقسام حتى يصبح قدراً . وهذا ما يجب رفضه . لا يمكن أن تكون الأمة التي أنجبت الحضارات عاجزة عن إنقاذ حاضرها . ولا يمكن أن تبقى الأمة التي تمتلك هذه المساحة الجغرافية وهذه الثروات وهذه الطاقات مجرد متفرج على صراعات تُدار فوق أرضها .
إن العرب أمام مسؤولية تاريخية . إما أن يستعيدوا دورهم في صناعة السلام والأمن في المنطقة، وإما أن يواصلوا دفع ثمن الغياب . والوقت لا ينتظر أحداً . فاليمن لا يحتمل حرباً أخرى، والسعودية لا تحتمل تهديداً دائماً، والمنطقة لا تحتمل انفجاراً جديداً . ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل العواصم العربية واضحة .. كفى صمتاً . كفى بيانات . كفى انتظاراً للآخرين . تحركوا قبل أن يصبح التحرك متأخراً . اجلسوا مع اليمنيين . تحدثوا مع السعودية . ادعموا السلام . احموا المدنيين . ارفضوا تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ. ارفضوا تهديد الدول العربية .
وأعيدوا للعرب شيئاً من القرار الذي فقدوه عندما سمحوا للآخرين بأن يتقدموا إلى مواقع كان يجب أن تكون لهم . إن اليمن لا يطلب من العرب أن يخوضوا حرباً باسمه، وإنما يطلب منهم ألا يتركوه وحيداً في حربه. والسعودية لا تطلب من العرب أن يخوضوا معركتها، وإنما من حقها أن تجد في محيطها العربي موقفاً واضحاً تجاه أمنها . أما الشعوب العربية، فقد ملت من رؤية الدم العربي يتكرر تحت عناوين مختلفة .
لقد آن للعرب أن يدركوا أن التخاذل ليس حياداً، والصمت ليس حكمة، وانتظار الآخرين ليس سياسة . فإما أن نصنع نحن حلول أزماتنا، وإما أن يواصل الآخرون صناعة مستقبلنا بالنيابة عنا . وفي اليمن، تحديداً، لا يزال هناك وقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه . لكن ذلك يحتاج إلى إرادة عربية حقيقية . فالذي يملك القدرة على منع الكارثة ثم يكتفي بمراقبتها، لا يستطيع بعد وقوعها أن يدّعي أنه كان خارجها . وهذه ليست إدانة لشعب عربي، وإنما صرخة في وجه العجز الرسمي الذي طال حتى أصبح الصمت نفسه جزءاً من المشهد .


