ترامب بين التهدئة الصينية والإصرار الإسرائيلي على إشعال الحرب: الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير

ترامب بين التهدئة الصينية والإصرار الإسرائيلي على إشعال الحرب الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير
يتصاعد التوتر حول إيران وسط مساعٍ صينية للتهدئة وضغوط إسرائيلية نحو الحسم العسكري، فيما تحاول واشنطن موازنة الردع والمصالح العالمية، ما يجعل الخليج أمام خطر انفجار إقليمي واسع يهدد الطاقة والنظام الدولي...

لم تعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين مجرد حدث دبلوماسي تقليدي مرتبط بالخلافات التجارية أو الرسوم الجمركية بل تحولت إلى محطة مفصلية قد تحدد شكل الصراع الدولي خلال السنوات المقبلة وربما ترسم بوضوح ملامح النظام العالمي الجديد.

فالعالم يقف اليوم أمام مشهد إستراتيجي بالغ الخطورة تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع ملفات الطاقة والاقتصاد والأمن القومي والذكاء الاصطناعي بالتزامن مع احتدام سباق الهيمنة على الممرات البحرية الدولية واستمرار تداعيات الحرب الروسية ـ الأوكرانية فيما تبقى إيران في قلب العاصفة بوصفها العقدة الأكثر حساسية في الصراع العالمي القائم.

وتزداد خطورة المشهد مع اتساع دائرة الانخراط الدولي بعد اندفاع بريطانيا والمانيا ودول أخرى من حلف الناتو نحو حضور سياسي وعسكري أكثر مباشرة في الأزمة الأمر الذي يعكس حجم القلق الدولي من احتمالية انفجار مواجهة إقليمية واسعة قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

فالقضية لم تعد مرتبطة بمفاوضات سياسية أو ضغوط اقتصادية فحسب بل باحتمال متسارع لانزلاق المنطقة نحو حرب واسعة النطاق قد تكون نتائجها مدمرة على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية وتؤدي إلى إعادة رسم خرائط التوازنات الإقليمية والدولية بالكامل خصوصًا مع تصاعد الحشود العسكرية ووصول غواصات نووية أمريكية وبريطانية إلى المنطقة مع قطع بحرية من دول أخرى في مؤشر واضح على ارتفاع مستوى الاستعداد الاستراتيجي.

أولاً: قمة بكين… محاولة أخيرة لمنع الانفجار العالمي

تأتي قمة بكين وسط بيئة دولية تُعد الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة في ظل تصاعد الانقسام الحاد بين واشنطن وبكين بالتزامن مع:

  • استمرار التصعيد العسكري ضد إيران.
  • تزايد الحشود البحرية الأمريكية في الخليج العربي.
  • وصول غواصات نووية أمريكية وبريطانية الى المنطقة.
  • تصاعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربة إستراتيجية مدمرة ضد طهران.
  • اضطراب الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
  • تنامي المخاوف من انهيار أسواق الطاقة العالمية بالشكل الشبه الكامل.

وتدرك الصين أن أي انفجار عسكري جديد و واسع في الخليج لن يكون هذه المرة أزمة إقليمية محدودة بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا يهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية بشكل طويل الأمد خصوصًا أن بكين تُعد أكبر مستورد للطاقة في العالم و أكبر المتضررين من الحصار البحري على إيران.

أما إدارة ترامب فتواجه معادلة شديدة التعقيد تتمثل في:

  • المحافظة على الردع العسكري الأمريكي عالميًا.
  • منع تمدد النفوذ الصيني.
  • الاستمرار في الضغط على روسيا.
  • دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا.
  • دعم أوكرانيا.
  • تجنب حرب شاملة قد تستنزف الاقتصاد الأمريكي والقوات الأمريكية المنتشرة في عدة مسارح عمليات.

ولهذا تبدو القمة وكأنها “غرفة عمليات سياسية دولية” هدفها منع الانتقال من مرحلة التوتر الساخن إلى مرحلة الحرب المفتوحة.

ثانيًا: إيران تدخل أخطر مرحلة في تاريخها الحديث

المشهد العسكري الحالي يشير بوضوح إلى أن إيران تواجه أخطر تهديد إستراتيجي منذ الحرب العراقية الإيرانية.

فالضغوط الحالية لم تعد مجرد عقوبات اقتصادية أو عزلة سياسية بل تحولت إلى مشروع متكامل يهدف إلى إضعاف الدولة الإيرانية وربما دفعها نحو التفكك الداخلي عبر ثلاثة مسارات متوازية:

١- الاستنزاف الاقتصادي

ويشمل:

  • خنق صادرات النفط بشكل كامل.
  • استهداف النظام المالي والمصرفي و تصفير العملة.
  • إرباك حركة التجارة والطاقة.
  • عزل الاقتصاد الإيراني عن الأسواق العالمية.

٢- الاستنزاف العسكري

من خلال:

  • الحصار البحري المتصاعد.
  • تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
  • تصاعد النشاط الاستخباري المعادي.
  • الاستمرار في ضرب و أضعاف شبكات النفوذ الإقليمي الإيرانية.

٣- الاستنزاف الداخلي

عبر:

  • زيادة الضغوط الاجتماعية والمعيشية.
  • تحفيز الاحتجاجات الداخلية.
  • استهداف الثقة الشعبية بالمؤسسات الإيرانية.
  • دعم المعارضة بالسلاح.

والأخطر أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تعتقد أن إيران دخلت مرحلة “الهشاشة الإستراتيجية” وأن اللحظة الحالية قد تمثل الفرصة المثالية لتوجيه ضربة قاصمة ومدمرة قبل أن تستعيد طهران توازنها العسكري والسياسي.

ثالثًا: إسرائيل تدفع نحو الحرب… لا نحو التسوية

ترى حكومة بنيامين نتنياهوا  أن أي اتفاق تهدئة مع إيران سيمنح طهران فرصة لإعادة بناء:

  • برنامجها الصاروخي.
  • قدراتها العسكرية.
  • شبكاتها الإقليمية.
  • بنيتها الاقتصادية.

ولهذا تتحرك إسرائيل وفق عقيدة واضحة تقوم على:

“منع إيران من التقاط الأنفاس”

وتعتقد تل أبيب أن البيئة الحالية مناسبة للحسم للأسباب التالية:

  • انشغال إيران بأزماتها الداخلية.
  • تراجع قدرات حلفائها الإقليميين بصورة كبيرة.
  • وجود إدارة أمريكية أكثر تشددًا وانحيازًا لإسرائيل.
  • تفوق استخباري وتقني إسرائيلي واضح.
  • تنامي الدعم الغربي لفكرة الحسم العسكري.

ولهذا فإن إسرائيل لا تسعى إلى “احتواء إيران” بل إلى إنهاكها وتفكيك قدراتها وإعادتها سنوات طويلة إلى الخلف.

رابعًا: السيناريو العسكري المتوقع… كيف قد تبدأ الحرب؟

إذا فشلت الوساطة الصينية أو نجحت إسرائيل في دفع واشنطن نحو خيار القوة فإن السيناريو الأقرب سيكون حربًا سريعة وخاطفة وعنيفة تعتمد على مفهوم:

“الشلل الإستراتيجي”

أي ضرب الدولة الإيرانية في مراكز الأعصاب الحيوية بدل التورط في احتلال بري شامل.

المرحلة الأولى: الضربة الصادمة

وتشمل استهداف: ما تبقى من منظومات الدفاع الجوي، الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، قواعد الصواريخ الباليستية، البنية السيبرانية، شبكات الاتصالات العسكرية.

الهدف: شل القدرة الإيرانية على تنظيم الرد وإرباك منظومة القيادة والسيطرة.

المرحلة الثانية: ضرب الاقتصاد الوطني

عبر استهداف:

  • حقول النفط والغاز.
  • المصافي.
  • محطات الماء والكهرباء.
  • الموانئ الرئيسية.
  • الجسور وشبكات السكك الحديدية.
  • المخازن اللوجستية للحبوب و الطعام.

الهدف: شل الاقتصاد الإيراني وإحداث ضغط داخلي هائل قد يتحول إلى اضطرابات واسعة.

المرحلة الثالثة: الرد الإيراني

وهي أخطر مراحل الصراع خصوصًا في مضيق هرمز حيث قد نشهد تصعيد ايراني كبير من خلال:

  • استمرار استهداف ناقلات النفط وبشكل واسع.
  • زرع ألغام بحرية.
  • هجمات بالطائرات المسيّرة والزوارق السريعة.
  • اشتباكات بحرية مباشرة.
  • استهداف الموانئ الخليجية.

وهنا ستدخل أسواق الطاقة العالمية في حالة فوضى غير مسبوقة مع احتمالات ارتفاع هائل في أسعار النفط واضطراب الأسواق الدولية.

خامسًا: العراق والخليج… في قلب العاصفة القادمة

أي حرب ضد إيران لن تبقى داخل حدودها الجغرافية بل ستتحول سريعًا إلى مواجهة إقليمية واسعة. وساحات التأثير المباشر ستكون: العراق، الخليج العربي، شرق المتوسط، والبحر الأحمر.

أما الخطر الحقيقي فيتمثل في احتمالات: اتساع الهجمات الصاروخية، استهداف القواعد العسكرية، تعطيل الملاحة والطاقة، تصاعد الهجمات السيبرانية، دخول الفصائل المسلحة على خط المواجهة، ضربات إسرائيل مباشرة الى حزب الله و الفصائل المسلحة في العراق.

اتساع حلقة الاغتيالات

وهذا يعني أن المنطقة قد تواجه حرب استنزاف طويلة متعددة الجبهات وليست مجرد ضربة جوية محدودة أو عملية عسكرية عابرة.

سادسًا: تايوان والذكاء الاصطناعي… الحرب الباردة الجديدة

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بإيران تدرك الصين أن واشنطن تواجه ضغطًا إستراتيجيًا خطيرًا يتمثل بإدارة جبهتين متزامنتين:

  • الشرق الأوسط.
  • شرق آسيا.

وترى الصين أن انشغال الولايات المتحدة بالخليج يمنحها مساحة أوسع للتحرك حول تايوان إضافة إلى تعزيز قدرتها على استخدام الملف الإيراني كورقة مساومة استراتيجية خلال اللقاء المرتقب بين الزعيمين.

في المقابل تخشى واشنطن من أن يؤدي أي استنزاف عسكري طويل ضد إيران إلى إضعاف قدرتها على ردع الصين في بحر الصين الجنوبي  وهو ما قد يخلّ بالتوازن الاستراتيجي العالمي ويفتح المجال أمام بكين لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي في آسيا.

هنا السؤال الجوهري هل سيتمكن ترامب من تقديم عرض مغري للصين بديل عن النفط الايراني.

الذكاء الاصطناعي

أما ملف الذكاء الاصطناعي فقد تحول إلى أخطر ميادين الصراع الدولي لأنه لم يعد مجرد سباق تقني بل سباق على:

  • قيادة الحروب المستقبلية.
  • السيطرة على القرار العسكري.
  • إدارة المسيّرات والأسلحة الذاتية.
  • الهيمنة السيبرانية والمعلوماتية.

العالم يدخل فعليًا عصر “الحروب الخوارزمية” حيث ستكون السيطرة على البيانات والخوارزميات مساوية للسيطرة على الجيوش والأسلحة التقليدية.

سابعًا: هل تضرب إسرائيل قبل انتهاء قمة بكين؟

هذا هو السؤال الأخطر حاليًا.

فالمعطيات تشير إلى احتمالين رئيسيين:

الاحتمال الأول: انتظار نتائج قمة بكين

إذا شعرت واشنطن بإمكانية الوصول إلى تفاهمات مع الصين وإيران فقد يجري تأجيل المواجهة مؤقتًا ضمن إطار تسوية مرحلية.

الاحتمال الثاني: الضربة الاستباقية

وهو السيناريو الأخطر.

فقد ترى إسرائيل أن أي تهدئة سياسية ستفقدها “لحظة التفوق الإستراتيجي” ولذلك قد تلجأ إلى:

  • ضربة جوية خاطفة.
  • عمليات استخبارية مركزة.
  • اغتيالات نوعية.
  • هجمات سيبرانية واسعة.

بهدف فرض الحرب كأمر واقع قبل الوصول إلى أي تسوية دولية.

الخاتمة

سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسابيع الماضية إلى شيطنة صورة إيران أمام الرأي العام العالمي بوصفها تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي عبر تصعيد الخطاب السياسي والإعلامي بشأن مضيق هرمز ومحاولة تصوير طهران كقوة قادرة على ابتزاز أوروبا ودول NATO عبر ورقة الطاقة والممرات البحرية.

كما حاولت واشنطن من خلال التصريحات المتناقضة ورفض بعض الطروحات والمقترحات الإيرانية دفع الحلفاء الغربيين نحو تشكيل مظلة دولية أوسع قد تُستخدم لاحقًا لتبرير أي تحرك عسكري أو أمني ضد إيران تحت عنوان حماية التجارة الدولية وحرية الملاحة.

إن الشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام أزمة سياسية تقليدية بل أمام لحظة تحول تاريخية قد تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوى في المنطقة والعالم لعقود طويلة قادمة.

فبين رغبة الصين في منع الانفجار الشامل حفاظًا على مصالحها الاقتصادية ومسارات الطاقة العالمية وإصرار إسرائيل على فرض معادلة الردع بالقوة والحسم العسكري ومحاولة الولايات المتحدة إدارة أخطر توازن دولي منذ نهاية الحرب الباردة تبدو إيران أمام اختبار وجودي غير مسبوق تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية والأمنية.

وأي خطأ في الحسابات أو انزلاق غير محسوب نحو المواجهة قد يحول الخليج العربي من قلب الطاقة العالمي إلى مركز لأكبر صدام عسكري واقتصادي يشهده العالم في القرن الحادي والعشرين بما يحمله ذلك من تداعيات قد تمتد من أسواق النفط إلى الأمن الدولي ومن استقرار الدول إلى مستقبل النظام العالمي بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *