تأتي التحذيرات الأمريكية الأخيرة في وقت بالغ الحساسية؛ فقد عاد الرئيس دونالد ترامب من إجازته في كامب ديفيد، بالتزامن مع تحذير وزارة الخارجية الأمريكية مواطنيها من السفر إلى الشرق الأوسط، ودعوتهم إلى رفع مستوى الحذر والاستعداد لاحتمال إغلاق أجواء أو إلغاء رحلات، مع الإشارة إلى أن التصعيد قد يتطور سريعاً.
لكن هذه الإجراءات لا تعني وحدها أن قراراً بحرب جديدة قد اتُّخذ، وإنما تعكس ارتفاع مستوى المخاطر والتوتر. المشهد الإقليمي لا يقتصر على إيران والولايات المتحدة؛ فاليمن والسعودية أصبحا جزءاً من معادلة أمنية أوسع، فيما تبقى الممرات البحرية والطاقة والنفط عوامل يمكن أن توسّع نطاق أي مواجهة.
وفي المقابل، هناك مؤشرات على استمرار محاولات فتح قنوات تفاوض، ما يعني أن الخيار الدبلوماسي لم يُغلق بالكامل. والسؤال الأهم: لماذا لا تتحول هذه اللحظة إلى فرصة للسلام؟ فالحروب مهما طال أمدها لا تلغي الأسباب السياسية للصراع، بينما يمكن للتفاوض أن يعالج ملفات الأمن والحدود والملاحة والطاقة والضمانات المتبادلة.
استمرار التصعيد يعني أن دول المنطقة وشعوبها ستدفع كلفة اقتصادية وأمنية وإنسانية أكبر. أما العراق، فهو أمام اختبار بالغ الحساسية. فالولايات المتحدة تمضي في استكمال انسحاب قواتها بحلول 30 أيلول، وفي الوقت نفسه تدور نقاشات داخل العراق بشأن مستقبل سلاح الفصائل ووضعه تحت سلطة الدولة.
وقد أفادت تقارير حديثة بأن الموعد بات يُتعامل معه في بغداد باعتباره بداية لمسار تنظيم السلاح، وليس بالضرورة موعداً نهائياً لتسليمه. لذلك، فإن مصلحة العراق تقتضي ألا يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران أو أي طرف إقليمي آخر.
المطلوب أن يكون القرار الأمني والعسكري عراقياً، وأن تُحل قضية السلاح بالحوار والقانون وبما يحفظ سيادة الدولة ويمنع استخدام الأراضي العراقية في استهداف الآخرين. فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة؛ بل تحتاج إلى شجاعة سياسية تُوقف التصعيد وتفتح طريقاً إلى تسوية شاملة، والعراق تحديداً يحتاج إلى النأي بنفسه عن الصراع، لا أن يكون وقوده.


