العزل العملياتي وتقطيع الأوصال:المرحلة الثالثة من الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران… هل تقترب ساعة العمليات البرية المحدودة

العزل العملياتي وتقطيع الأوصالالمرحلة الثالثة من الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران... هل تقترب ساعة العمليات البرية المحدودة
دخلت الحملة الأمريكية ضد إيران مرحلة العزل العملياتي، عبر استهداف الجسور والسكك والإمدادات والسواحل الجنوبية. وتبقى الخيارات المقبلة بين استنزاف طويل يدفع نحو التفاوض، أو عمليات بحرية وبرية محدودة، بينما يظل الاجتياح الشامل احتمالاً غير مؤكد...

مقدمة

تشير تطورات الميدان حتى الساعة 0600 من يوم السبت الموافق 18 تموز/يوليو 2026 وبعد سبعة أيام من العمليات الجوية الأمريكية المكثفة إلى أن الحملة العسكرية ضد إيران دخلت مرحلة جديدة تركز على عزل مسارح العمليات وقطع خطوط الحركة والإمداد بعد استكمال المراحل السابقة من الحملة.

فقد اتسمت المرحلة الأولى باستهداف الرؤوس والتي شملت عدد من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية البارزة في محاولة لإرباك منظومة القيادة واتخاذ القرار فيما ركزت المرحلة الثانية على السلخ و التجريد والتحييد العسكري عبر استهداف و تدمير مراكز القيادة والسيطرة والقواعد الجوية والبحرية ومنظومات الدفاع الجوي إضافة إلى البنية التحتية العسكرية التابعة للحرس الثوري بما في ذلك المعسكرات والمستودعات ومنشآت الدعم والإسناد.

أما الضربات الجارية فتشير طبيعتها إلى انتقال الحملة نحو المرحلة الثالثة العزل العملياتي أو ما يمكن وصفه بمرحلة “تقطيع الأوصال” والتي تقوم على استهداف الجسور ومحاور النقل وشبكات السكك الحديدية والبنية اللوجستية بهدف عزل الوحدات العسكرية عن بعضها وإضعاف قدرتها على المناورة وإعادة الانتشار وتلقي التعزيزات.

ومن منظور العمليات المشتركة يتوافق هذا التسلسل مع المبادئ العامة للحملات الجوية الحديثة التي تهدف إلى شل منظومة القيادة وتجريد الخصم من قدراته القتالية ثم عزله عملياتياً قبل الانتقال إلى خيارات عسكرية أخرى.

ومع ذلك،يبقى من الضروري التأكيد أن أي حديث عن الانتقال إلى مرحلة رابعة تتضمن عمليات برية واسعة أو اجتياح شامل للأراضي الإيرانية لا يزال في إطار التقدير والتحليل العسكري ويستند إلى قراءة التطورات الميدانية والتصريحات السياسية الصادرة عن الإدارة الأمريكية في حين لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي يؤكد اتخاذ قرار بتنفيذ مثل هذه العمليات في المستقبل القريب.( راجع المقال السابق ساعة الصفر )

من حملة التجريد إلى مرحلة العزل

خلال الأيام الأخيرة ركزت الضربات الأمريكية بصورة كبيرة على المحافظات الساحلية الجنوبية ولا سيما هرمزغان وبوشهر وسيستان وبلوشستان مع اهتمام خاص بالمناطق المطلة على مضيق هرمز وخليج عمان.

وشملت الأهداف العسكرية التي تعرضت للهجوم:

  • منظومات الدفاع الجوي والرادارات.
  • مواقع الدفاع الساحلي.
  • منصات إطلاق صواريخ الكروز.
  • قواعد الطائرات المسيّرة.
  • الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري.
  • مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات.
  • مرافق الإسناد اللوجستي.
  • منشآت ومرافئ بحرية.
  • جسور ومحاور نقل رئيسية وخطوط السكك الحديدية.

ويظهر من طبيعة هذه الأهداف أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليص قدرة القوات الإيرانية على المناورة ونقل القوات والمعدات وليس الاقتصار على تدمير الأسلحة فقط.

استهداف الجسور… بداية مرحلة تقطيع الأوصال

يمثل استهداف الجسور ومحاور النقل تطوراً مهماً في طبيعة الحملة الجوية.

فقد تعرضت عدة جسور ومحاور استراتيجية في محيط ( بندر عباس ) ومناطق أخرى جنوب إيران للقصف إضافة إلى استهداف أجزاء من شبكة السكك الحديدية التي تربط وسط إيران بجنوبها والتي ترتبط بطريق الحرير المؤدي الى الصين

ويهدف هذا النوع من العمليات إلى:

  • عزل الوحدات العسكرية عن مراكز القيادة.
  • تعطيل وصول التعزيزات والاحتياط.
  • إبطاء حركة الإمداد بالوقود والذخيرة.
  • تقليل قدرة القوات الإيرانية على إعادة الانتشار.
  • فرض عزلة عملياتية على المناطق الساحلية.
  • محاولت تدمير و عرقلت الربط السكك الحديدية مع الصين و روسيا.

وتعد هذه الإجراءات من السمات المعروفة في الحملات الجوية التي تسبق أو تواكب عمليات عسكرية أوسع.

الغاية من العمليات العسكرية الأمريكية

تشير طبيعة الضربات إلى أن الأولوية الأمريكية الحالية تتركز على:

  • تثبيت التفوق الجوي.
  • استمرار شل القيادة والسيطرة والدفاعات الجوية.
  • حرمان القوات الإيرانية من حرية الحركة.
  • عزل السواحل المطلة على مضيق هرمز.
  • تقليص قدرة الحرس الثوري على تعزيز قواته في الجزر والموانئ.
  • زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني و تقليص قدرة وصول الإمدادات من روسيا والصين.

كما أن استمرار استهداف البنية اللوجستية يعكس سعياً إلى خلق بيئة عملياتية تمنح القوات الأمريكية وحلفاءها حرية أكبر في حال تقرر تنفيذ عمليات بحرية أو برية محدودة مستقبلاً.

الأهداف العسكرية للحملة الجوية الامريكية

تركز العمليات بصورة رئيسية على:

  • بندر عباس.
  • جاسك.
  • سيريك.
  • تشابهار.
  • جزيرة قشم.
  • جزيرة لارك.
  • جزيرة هرمز.
  • جزيرة أبو موسى.
  • مناطق انتشار الحرس الثوري على الساحل الجنوبي.

وتكتسب هذه المناطق أهمية كبيرة لكونها تمثل العمق الدفاعي الإيراني المطل على مضيق هرمز.

الرد الإيراني

السعودية وإسرائيل خارج دائرة الاستهداف المباشر

شهدت الأيام الماضية تراجعاً ملحوظاً في مستوى الرد العسكري الإيراني مقارنة بالمراحل الأولى من المواجهة سواء من حيث حجم الهجمات أو طبيعة الأهداف المستهدفة. فقد اقتصرت الردود على إطلاق أعداد محدودة من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف في المنطقة ( الكويت و البحرين ) دون أن تشهد الساحة الإسرائيلية هجمات مباشرة بالحجم الذي ميز المراحل السابقة من الصراع.

ويشير هذا النمط من الرد إلى أن طهران تبدو حريصة في المرحلة الحالية على إدارة التصعيد ضمن سقف محسوب مع توجيه رسائل سياسية وعسكرية إلى الولايات المتحدة وحلفائها مع تجنب توسيع نطاق المواجهة بصورة قد تؤدي إلى فتح جبهة إقليمية أكثر اتساعاً.

ومع ذلك فإن مسار الرد الإيراني يبقى مرتبطاً بتطورات الميدان وحجم الضربات الأمريكية اللاحقة الأمر الذي يجعل خيارات طهران العسكرية والسياسية قابلة للتغيير تبعاً لتطورات الصراع خلال المرحلة المقبلة.

أذرع إيران الإقليمية… تراجع في مستوى التأثير

أظهرت تطورات المواجهة خلال الأيام الماضية تراجعاً واضحاً في مستوى نشاط القوى المتحالفة مع إيران في المنطقة مقارنة بما كان متوقعاً في مثل هذا النوع من الصراعات.

الحوثيين

ففي البحر الأحمر لم تتمكن جماعة الحوثيين حتى الآن من تنفيذ عمليات ذات تأثير استراتيجي تؤدي إلى إغلاق مضيق باب المندب أو إحداث تعطيل واسع لحركة الملاحة الدولية رغم استمرار التهديدات وإطلاق بعض الهجمات المحدودة.

حزب الله

أما في لبنان فيبدو أن حزب الله حافظ على مستوى منخفض من الانخراط العسكري المباشر دون فتح جبهة واسعة الأمر الذي يعكس استمرار سياسة ضبط التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.

 الفصائل المسلحة في العراق

وفي العراق اقتصر نشاط بعض الفصائل المسلحة على هجمات محدودة ومتفرقة استهدفت مواقع في شمال البلاد من دون أن تؤدي إلى تغيير ملموس في مسار العمليات العسكرية أو توسيع نطاق الصراع.

وبصورة عامة تشير هذه المعطيات إلى أن أذرع إيران الإقليمية لم تمارس حتى الآن مستوى الضغط العسكري الذي كان يُتوقع أن يرافق هذا النوع من المواجهات سواء نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية أو بسبب حسابات تتعلق بتجنب توسيع دائرة الحرب إلى صراع إقليمي شامل. ويظل تقييم أسباب هذا التراجع محل تحليل في ظل استمرار تطور الأحداث الميدانية.

السيناريوهات المحتملة

استناداً إلى المؤشرات الحالية يمكن تصور عدة سيناريوهات خلال المرحلة المقبلة دون الجزم بأي منها:

*السيناريو الأول: استمرار استراتيجية الاستنزاف والضغط العسكري

يرجح هذا السيناريو أن تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها إدارة الصراع من خلال حملة استنزاف عسكرية وجوية طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف القدرات الإيرانية تدريجياً ورفع كلفة استمرار المواجهة دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة. ومن أبرز ملامح هذا السيناريو:

  • استمرار حملة العزل العملياتي عبر استهداف شبكات النقل والإمداد والبنية اللوجستية العسكرية بما يحد من قدرة القوات الإيرانية على المناورة وإعادة الانتشار.
  • تكثيف الضربات ضد البنية التحتية الحيوية ذات الاستخدام العسكري أو المزدوج بما في ذلك منشآت الطاقة وشبكات الكهرباء والمرافق النفطية التي تدعم القدرات العسكرية واللوجستية مع مراعاة أن طبيعة الأهداف ستظل مرتبطة بالاعتبارات العملياتية والسياسية.
  • مواصلة الضغط العسكري والسياسي بهدف دفع طهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وقبول تسوية بشروط أكثر ملاءمة للولايات المتحدة وحلفائها.
  • تنفيذ عمليات بحرية وعمليات خاصة محدودة ضد أهداف عسكرية عالية القيمة بما في ذلك مواقع القيادة والسيطرة أو القدرات البحرية والصاروخية.
  • توسيع نطاق العمليات تدريجياً إذا شهدت الأزمة تصعيداً جديداً أو إذا استهدفت المصالح والقوات الأمريكية في المنطقة.
  • تصعيد مستوى القوة النارية المستخدمة عبر توظيف ذخائر ومنظومات تسليح أكثر تطوراً ودقة و قوة ضد أهداف عسكرية واستراتيجية منتقاة إذا اقتضت التطورات الميدانية ذلك.

ويقوم هذا السيناريو على فرضية استمرار سياسة الضغط المتدرج والاستنزاف لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية مع إبقاء دور الوسطاء و خيار التفاوض قائماً بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.

*السيناريو الثاني: عمليات عسكرية محدودة لتحقيق أهداف عملياتية

إذا استمرت الحملة الجوية الحالية في تحقيق أهدافها المتمثلة بعزل السواحل الإيرانية وشل منظومة القيادة والإمداد فقد يبرز سيناريو يقوم على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة بدلاً من اجتياح بري واسع وتشمل أبرز الاحتمالات:

  • تنفيذ عمليات إنزال بحري محدودة للسيطرة المؤقتة على بعض الجزر ذات الأهمية العسكرية في منطقة مضيق هرمز بهدف تأمين حرية الملاحة وتعزيز السيطرة على الممرات البحرية.
  • تنفيذ عمليات برمائية محدودة على أجزاء من السواحل الإيرانية واحتلال بعض الموانئ أو المنشآت الساحلية ذات الأهمية العملياتية بما يحقق أهدافاً عسكرية محددة دون التوغل لمسافات كبيرة داخل الأراضي الإيرانية.
  • تنفيذ عمليات خاصة أو إنزال جوي محدود ضد أهداف استراتيجية داخل العمق الإيراني مثل مفاعلات نووية او منشآت عسكرية أو مستودعات صواريخ أو مراكز قيادة محصنة إذا رأت القيادة العسكرية أن تلك الأهداف تمثل تهديداً مباشراً لا يمكن تحييده بالضربات الجوية وحدها.

وفي المقابل فإن أي حديث عن اجتياح بري واسع وشامل للأراضي الإيرانية لا يزال حتى الآن ضمن نطاق السيناريوهات التحليلية ولم يصدر ما يؤكد رسمياً وجود قرار بتنفيذه الأمر الذي يجعل مستقبل العمليات مرتبطاً بالتطورات الميدانية والقرارات السياسية والعسكرية خلال المرحلة المقبلة.

الاستنتاجات

من منظور العمليات المشتركة، يمكن قراءة مسار الحملة الجوية الأمريكية حتى 18 تموز/يوليو 2026 على أنها مرت بثلاث مراحل عملياتية متعاقبة كما اشرنا لها في المقال السابق الذي كان بعنوان ( ساعة الصفر  ) لكل منها أهدافها العسكرية والاستراتيجية:

  • المرحلة الأولى: استهداف مراكز الثقل القيادية من خلال توجيه ضربات استهدفت قيادات عسكرية وأمنية بارزة بما يهدف إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة وإضعاف عملية صنع القرار العسكري.
  • المرحلة الثانية: التجريد والتحييد العسكري وتركزت على تدمير و تقليص القدرات الجوية والبحرية ومنظومات الدفاع الجوي والبنية العسكرية الداعمة بهدف حرمان القوات الإيرانية من جزء كبير من قدراتها القتالية وحرية العمل.
  • المرحلة الثالثة: تقطيع الأوصال وعزل مسرح العمليات عبر استهداف الجسور ومحاور النقل وشبكات السكك الحديدية وطرق الإمداد والمرافق اللوجستية بما يحد من قدرة القوات على المناورة وإعادة الانتشار وتلقي التعزيزات.

ويعكس هذا التسلسل كثيراً من مبادئ الحملات الجوية الحديثة التي تقوم على شل منظومة القيادة وتجريد القدرات العسكرية ثم عزل مسرح العمليات تمهيداً لتهيئة الظروف أمام خيارات عسكرية لاحقة.

الخاتمة

تشير معطيات الميدان حتى 18 تموز 2026 إلى أن الحملة العسكرية الأمريكية دخلت مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها عزل القوات الإيرانية وتقليص قدرتها على الحركة والإمداد. ويبقى مستقبل العمليات مرتبطاً بالقرار السياسي والعسكري للطرفين إذ قد تتجه الأزمة نحو تصعيد إضافي قد يشعل المنطقة من جديد من خلال ضربات ايرانية واسعة أو إلى مسار تفاوضي إذا نجحت الضغوط العسكرية في تحقيق أهدافها السياسية.

وفي جميع الأحوال فإن المرحلة الحالية تؤكد أن الصراع لم يعد يقتصر على تدمير الأهداف العسكرية بل أصبح يركز على التحكم بإيقاع المعركة وحرمان الخصم من القدرة على المناورة وهو أحد أهم مبادئ الحرب الحديثة.

ويبقى السؤال الجوهري: هل ستغلب الحسابات السياسية والدبلوماسية فينصت قادة الحرس الثوري إلى مسار التفاوض بما يفضي إلى اتفاق يوقف الحرب ويجنب المنطقة مزيدًا من التصعيد أم ستدفع اعتبارات المواجهة والعقيدة العسكرية نحو توسيع نطاق الصراع والدخول في حرب إقليمية شاملة أكبر من الحروب التي سبقتها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *