العراق.. حين تصبح السيادة اختباراً حقيقياً لقوة الدولة

العراق.. حين تصبح السيادة اختباراً حقيقياً لقوة الدولة
ترتبط السيادة العراقية بوحدة القرار الأمني وقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع، داخلياً وخارجياً. فحصر السلاح لا يكتمل دون منع استخدام الأرض والأجواء والقواعد خارج الإرادة السيادية، بما يجعل المصلحة الوطنية أساس العلاقات والقرار الأمني العراقي...

في منطقةٍ لا تهدأ، تتسارع فيها التحولات وتتقاطع المصالح، يقف العراق أمام اختبار جديد لا يتعلق فقط بقدرته على مواجهة التحديات الأمنية، بل بقدرته على تثبيت حقيقة أساسية: من يملك القرار في العراق؟ السؤال لم يعد ترفاً سياسياً، ولا مادةً للسجال الإعلامي، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بمفهوم الدولة وسيادتها ومستقبلها. فالمشكلة العراقية لا يمكن اختزالها في وجود قوى سياسية أو أمنية متعددة داخل المشهد، كما لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية تعقيدات تراكمت على مدى سنوات.

القضية الأعمق هي: هل تمتلك الدولة العراقية وحدها القدرة الفعلية على اتخاذ القرار الأمني والعسكري، وعلى بسط سلطتها على أرضها وأجوائها وقواعدها، ومنع استخدامها بما يتعارض مع مصالحها وسيادتها؟ الدولة التي تريد أن تكون صاحبة القرار لا يكفيها أن تمتلك مؤسسات تحمل عناوين رسمية؛ بل يجب أن تمتلك القدرة على تنفيذ قراراتها، وأن يكون القانون فوق الجميع، وأن يكون السلاح والقرار الأمني ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الدستورية.

وهنا تبرز مسألة جوهرية: إذا كان حصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة هدفاً وطنياً لا خلاف عليه، فإن هذا المبدأ يجب ألا يكون انتقائياً، ولا أن يُطبّق على طرف ويُستثنى منه طرف آخر. فالسيادة لا تتجزأ. وكما ينبغي للدولة أن تمنع أي جهة داخلية من اتخاذ قرار أمني أو عسكري خارج مؤسساتها الرسمية، فإن عليها بالمعيار نفسه أن ترفض استخدام أراضيها أو أجوائها أو قواعدها من أي قوة خارجية بصورة تتجاوز القرار السيادي العراقي. لا يمكن أن نطالب ببناء دولة قوية من الداخل، بينما يبقى القرار العراقي عرضة لتقاطعات الإقليم وحسابات القوى الدولية. وفي الوقت ذاته، لا يمكن معالجة النفوذ الخارجي من دون بناء مؤسسات داخلية قوية قادرة على حماية القرار الوطني.

المعادلة إذن ليست: الداخل أم الخارج، وإنما الدولة أولاً. العراق ليس مضطراً لأن يختار بين محيطه العربي والإقليمي والدولي، لكنه مطالب بأن يجعل علاقاته الخارجية قائمة على الندية والمصلحة الوطنية، لا على الاصطفاف أو التبعية. كما أن الحفاظ على أمن العراق لا يكون بتحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة للصراع، بل بتعزيز قدرة الدولة على منع استخدام العراق للإضرار بأي دولة أخرى، وبالمقابل منع الآخرين من تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تصبح صاحبة سيادة على الورق، ومتعددة القرارات على أرض الواقع.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية التي يحتاجها العراق اليوم ليست معركة بين مكونات المجتمع، ولا صراعاً بين القوى السياسية، وإنما معركة ترسيخ مفهوم الدولة: دولةٌ تحتكر القرار الأمني وفق القانون، وتحمي حدودها، وتفرض سيادتها على أجوائها وأراضيها، وتدير قواعدها ومؤسساتها، وتحدد سياستها الخارجية وفق مصالح شعبها.

وفي خضم التطورات الإقليمية المتلاحقة، يحتاج العراق إلى خطاب سياسي أكثر وضوحاً وشجاعة: لا سلاح خارج إطار الدولة، ولا قرار أمني خارج مؤسساتها، ولا استخدام للأرض أو الأجواء العراقية خارج الإرادة السيادية للدولة. هذه ليست معادلة موجهة ضد طرف بعينه، بل قاعدة ينبغي أن تسري على الجميع.

فالدولة القوية لا تُبنى بإضعاف طرف وتقوية آخر، ولا بتبديل موازين النفوذ من جهة إلى أخرى، وإنما بإعلاء القانون والمؤسسات فوق جميع مراكز القوة. العراق بحاجة إلى أن يكون دولةً لا ساحة، وصاحب قرار لا طرفاً في قرارات الآخرين، وجسراً للسلام لا ميداناً للصراع. وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي للسيادة العراقية: أن يصبح القرار الوطني هو نقطة البداية والنهاية، وأن يدرك الجميع، في الداخل والخارج، أن العراق حين يتحدث عن سيادته فإنه لا يستثني أحداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *