عندما اندلعت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، سارعت بغداد إلى إعلان موقفها القائم على «النأي بالنفس»، مؤكدة أن هذه الحرب ليست معركتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يكون العراق محايداً إذا كانت أراضيه أو أجواؤه أو قواعده العسكرية تُستخدم في عمليات لا تخدم مصالحه، أو في أعمال عسكرية تستهدف دولة جارة تربطه بها علاقات تاريخية واستراتيجية؟
فالحياد، إن كان المقصود به فعلاً، لا يمكن أن يكون موقفاً إعلامياً فحسب، بل ينبغي أن يتحول إلى إجراءات عملية تحمي السيادة العراقية، وفي مقدمتها منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية منصةً لأي عمل عسكري ضد طرف آخر.
وهنا نستعيد مشهداً لا يمكن تجاهله من سنوات الحرب على تنظيم داعش. فعندما اجتاح الإرهاب عدداً من المدن العراقية، لم تتخذ إيران موقف «النأي بالنفس»، بل سارعت إلى إرسال مستشارين وقيادات عسكرية، وقدمت دعماً وتسليحاً للقوات العراقية والحشد الشعبي، في مواجهة تنظيم كان يهدد الدولة والمجتمع والعملية السياسية.
اليوم، ومع إعلان بغداد موقفها (المحايد ) تجاه الحرب الدائرة في المنطقة، يصبح من المشروع طرح سؤال واضح على الحكومة العراقية: هل يشمل الحياد منع استخدام المجال الجوي العراقي والقواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية المقامة بقوة الأحتلال في أي عمليات تستهدف أطرافاً خارجية؟
إن الحياد الحقيقي لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الحق والباطل وفق الرؤية السياسية لأي طرف، بل يعني أولاً حماية القرار والسيادة العراقية، ومنع أستهداف الجمهورية الإسلامية تحت اي ظرف .
كما أن العلاقات الدولية لا تُبنى على المواقف المنفردة، وإنما على حساب المصالح الوطنية والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة مع دول الجوار.
ومن هنا، فإن المطلوب من بغداد ليس مجرد إعلان «النأي بالنفس»، وإنما ترجمة هذا المبدأ إلى سياسة واضحة: لا استخدام للأراضي العراقية أو أجوائه أو منشآته العسكرية للإضرار بأي دولة، ولا السماح بتحويل العراق إلى منصة في أي صراع إقليمي.
فإذا كانت هناك ترتيبات أمنية أو عسكرية تسمح باستخدام الأراضي العراقية في عمليات لا تخدم مصالح بغداد، فإن السؤال يبقى قائماً وبقوة:
أين هو الحياد العراقي ؟؟


