السيادة العراقية بين تعدد مراكز القوة والنفوذ الخارجي: نحو استراتيجية وطنية للأمن القومي

السيادة العراقية بين تعدد مراكز القوة والنفوذ الخارجي نحو استراتيجية وطنية للأمن القومي
تتطلب استعادة السيادة العراقية أكثر من حصر السلاح، إذ ترتبط بوحدة القرار والقيادة، وبناء القدرات الدفاعية، واستقلال السياسة الخارجية، وتقليل مواطن الضعف الاقتصادية. ويقترح الطرح عقيدة أمن قومي تجعل الدولة والمصلحة الوطنية مرجعية للعلاقات الداخلية والخارجية....

تعد السيادة جوهر الدولة الحديثة وأحد أهم مرتكزات وجودها السياسي والقانوني اذ أن السيادة في الدولة المعاصرة لم تعد تقتصر على الاعتراف الدولي بالحدود أو امتلاك مؤسسات رسمية وإنما ترتبط بقدرة الدولة الفعلية على اتخاذ قراراتها السياسية والأمنية بصورة مستقلة وفرض القانون على جميع أراضيها وحدودها وإدارة علاقاتها الخارجية وفقا لمصالحها الوطنية ضمن بناء الدولة ذات سيادة كاملة وفي الحالة العراقية تبدو إشكالية السيادة أكثر تعقيدا منذ عام 2003، نتيجة التحولات العميقة التي أصابت بنية الدولة وتعدد مراكز القوة السياسية والأمنية وظهور مظاهر مسلحة خارج الإطار التقليدي للدولة فضلا عن استمرار تأثير البيئة الإقليمية والدولية على صانع القرار في العراق اذا لا تعني هذه الإشكالية بالضرورة غياب الدولة أو انهيار مؤسساتها كما لا يمكن اختزالها في وجود قوى مسلحة أو في طبيعة علاقة العراق بدولة خارجية بعينها إنما تكمن المشكلة الأساسية في مدى قدرة الدولة على إنتاج قرار وطني موحد بحيث تكون المؤسسات الدستورية هي المرجع النهائي في تحديد المصالح الأمنية والاستراتيجية للعراق وقد أكد الدستور العراقي بوضوح أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تخضع لقيادة القوات المسلحة العراقية وحظر تشكيل ميليشيات او اي مضهر عسكرية خارج إطار القوات المسلحة كما جعل وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها من الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية (البرلمان العراقي) ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل تستطيع الدولة العراقية استعادة سيادتها الكاملة في ظل تعدد مراكز القوة الداخلية واستمرار تأثير القوى الخارجية في البيئة الأمنية؟ وهل يكفي حصر السلاح بيد الدولة أم أن استعادة السيادة تتطلب بناء منظومة متكاملة للأمن القومي قادرة على حماية القرار الوطني ومنع تحويل العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية؟

أولا: السيادة ليست شعارا بل قدرة على إنتاج وحدة القرار إن السيادة الفعلية لا تقاس فقط بوجود دستور ومؤسسات رسمية وإنما بمدى قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها وتنفيذها على ارض الواقع فالدولة التي تمتلك مؤسسات رسمية لكنها تعجز عن التحكم الكامل في المجال الأمني أو تجد نفسها مضطرة إلى مراعاة مراكز قوة متعددة عند اتخاذ القرارات الاستراتيجية تواجه فجوة بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية …. الخ وقد أشارت الأمم المتحدة في تقاريرها بشأن العراق إلى أن عدم قدرة حصر السلاح بيد الدولة يمثل تحديا للاستقرار الداخلي وأن بعض الجماعات المسلحة رغم ارتباط بعضها بالبنية الأمنية للدولة ارتبطت بدرجات مختلفة بقوى أو شخصيات سياسية الأمر الذي يعقد عملية إصلاح القطاع الأمني والعسكري وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين أساسيين: وجود الدولة وقدرة الدولة.

فالعراق يمتلك مؤسسات دستورية وأمنية وعسكرية واسعة كما تمكنت قواته الأمنية ومؤسست الحشد الشعبي من تحقيق تقدم كبير في مواجهة تنظيم داعش لكن التحدي الاستراتيجي يتمثل في الانتقال من دولة تمتلك أدوات القوة إلى دولة تمتلك القدرة المؤسسية على توحيد هذه الأدوات ضمن قرار وطني واحد.

ثانيا: احتكار الدولة للسلاح شرط دستوري لكنه ليس كافيا يعد احتكار الدولة لاستخدام القوة أحد المبادئ الأساسية في بناء الدولة المدنية الحديثة وهو في الحالة العراقية ليس مجرد مفهوم سياسي قابل للتأويل بل يرتبط بنصوص دستورية واضحة وصريحة .

فالمادة التاسعة (۹) من الدستور تنص على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لقيادة السلطة الدولة وتحظر تكوين ميليشيات وفصائل عسكرية خارج إطار القوات المسلحة كما تمنح المادة 110 السلطات الاتحادية الاختصاص الحصري في وضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها وإنشاء القوات المسلحة وإدارتها وان حصر السلاح بيد الدولة رغم أهميته لا يمثل وحده استراتيجية للأمن القومي فحسب بل يمثل تكامل لفرض سيادة كاملة ان حصر السلاح بيد الدولة وخضوعه الى سلسلة قيادة واضحة وعقيدة عسكرية وأمنية وطنية ومؤسسات رقابية ونظام للمساءلة وقرار سياسي مركزي وقدرة استخبارية متقدمة فضلا عن امتلاك الدولة الوسائل اللازمة لحماية حدودها ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية ومصالحها الاقتصادية لتحقيق الغاية الاساس الا وهي السيادة المطلقة . وبعبارة أخرى، فإن المطلوب ليس مجرد جمع السلاح، وإنما إعادة تنظيم القوة داخل الدولة وهذا يفرض معالجة ملف القوى المسلحة ضمن رؤية وطنية متدرجة تراعي الواقع السياسي والأمني والاجتماعي وتمنع في الوقت نفسه بقاء أي قوة مسلحة خارج منظومة القيادة والسيطرة الوطنية.

ثالثا: النفوذ الخارجي وإشكالية القرار الأمني العراقي لا يمكن تحليل السيادة العراقية بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج وغيرها فضلا عن موقعه الجغرافي الذي يجعله متأثرا مباشرة بالتطورات في سوريا والخليج وشرق المتوسط وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن أنشطة الفاعلين الخارجيين بما في ذلك العمليات العسكرية عبر الحدود تمثل أحد التحديات التي تواجه استقرار العراق وسيادته كما سجلت احتجاجات عراقية على عمليات عسكرية نفذتها دول إقليمية ودولية داخل الأراضي العراقية. ومن هنا فإن التعامل مع النفوذ الخارجي يجب ألا يقوم على ثنائية مبسطة من نوع “مع الولايات المتحدة أو مع إيران”، لأن مثل هذا الاختزال يحول العراق من دولة ذات مصالح وطنية إلى ساحة للتنافس بين الآخرين. المطلوب هو الانتقال من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح الوطنية. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ينبغي أن تحددها المصالح العراقية والاتفاقات الرسمية واحتياجات الدفاع والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي كما أن العلاقة مع إيران ينبغي أن تحكمها المصالح المشتركة وحسن الجوار واحترام السيادة المتبادلة والأمر ذاته ينطبق على علاقات العراق مع تركيا والدول العربية وسائر القوى الإقليمية والدولية.

رابعا: من التوازن بين القوى إلى التوازن في العلاقات

إن استقلال القرار العراقي لا يعني عزل العراق عن محيطه كما لا يعني قطع علاقاته مع الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما. الدولة ذات السيادة لا تحتاج إلى الانغلاق بل تحتاج إلى امتلاك القدرة على إدارة علاقاتها الخارجية دون أن تتحول إلى تابع لأي محور. ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم التوازن الاستراتيجي العراقي القائم على ثلاثة مبادئ:

عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الدول الأخرى.

عدم السماح بتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية وفقا للمصلحة الوطنية العراقية.

وهذا يتفق أيضا مع المادة الثامنة من الدستور العراقي التي تؤكد مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وإقامة العلاقات على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل.

خامسا: مستقبل القوى المسلحة الداخلية

يمثل مستقبل القوى المسلحة أحد أكثر الملفات حساسية في الدولة العراقية فالواقع العراقي أنتج خلال السنوات الماضية قوى مسلحة ارتبط بعضها بمواجهة الإرهاب والدفاع عن الدولة وسيادتها في مراحل أمنية شديدة التعقيد ولا يمكن تجاهل هذا الدور التاريخي عند مناقشة مستقبلها. لكن الاعتراف بالدور الذي قامت به بعض القوى في مرحلة معينة لا يعني أن استمرار تعدد مراكز القرار الأمني يمثل صيغة مستدامة للدولة. إن الدولة الحديثة تحتاج إلى قاعدة واضحة: لا يمكن أن تتعدد المرجعيات التي تمتلك قرار استخدام القوة داخل الدولة وعليه فإن معالجة هذا الملف ينبغي ألا تختزل في مفهوم نزع السلاح بصورة مجردة بل يمكن أن تقوم على مسارات مؤسسية تشمل تعزيز القيادة والسيطرة الحكومية وتوحيد قواعد الانضباط وضمان عدم استخدام المؤسسات الأمنية في النشاط السياسي وتعزيز الرقابة البرلمانية والقضائية وإعادة تنظيم العلاقة بين مختلف المؤسسات الأمنية وعدم التدخل في الموسسة العسكرية ضمن منظومة وطنية متكاملة وقد دعت الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة إلى تعزيز إصلاح القطاع الأمني ووضع جميع الفاعلين المسلحين ضمن سيطرة الدولة مع التأكيد على ضرورة بناء قطاع أمني فعال ومستدام وقادر على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية .

سادسا: الحاجة إلى استراتيجية عراقية للأمن القومي

إن جوهر المشكلة لا يكمن في السلاح وحده ولا في النفوذ الخارجي وحده وإنما في غياب إطار استراتيجي شامل يحدد: من هو العدو؟ وما هي مصادر التهديد؟ وما هي المصالح الوطنية العليا؟ وكيف يتم استخدام أدوات الدولة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية لحمايتها؟

ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء استراتيجية وطنية عراقية للأمن القومي، لا تكون وثيقة حكومية ظرفية وإنما إطارا وطنيا طويل الأمد تشترك في صياغته مؤسسات الدولة والخبراء والجامعات ومراكز الدراسات وتراجع بصورة دورية وفقا للتحولات الإقليمية والدولية وينبغي أن تتضمن هذه الاستراتيجية عدة مستويات:

أولا: المستوى السياسي تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ خضوع المؤسسات الأمنية للسلطة العليا للدولة تحد سيادة الدستور  .

ثانيا: المستوى العسكري والأمني تطوير قدرات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات وحماية الحدود والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب.

ثالثا: المستوى الدبلوماسي اعتماد سياسة خارجية نشطة تمنع جر العراق إلى الصراعات وتوظف موقعه الجغرافي وعلاقاته المتعددة في بناء جسور الحوار الإقليمي.

رابعا: المستوى الاقتصادي تقليل نقاط الضعف التي يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط خارجي وتنويع مصادر الاقتصاد والطاقة وتعزيز الأمن الاقتصادي.

خامسا: المستوى المجتمعي تعزيز مفهوم المواطنة والانتماء للدولة واحترام الهوية الوطنية الشاملة والتخلي عن الهوية الفرعية لأن الأمن القومي لا يبنى بالقوة العسكرية وحدها بل يحتاج إلى شرعية سياسية وثقة اجتماعية ومؤسسات عادلة.

سابعا: العراق في ظل التنافس الأمريكي–الإيراني

يمثل التنافس الأمريكي–الإيراني أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة العراقية لكن التعامل معه ينبغي ألا ينطلق من محاولة اختيار طرف على حساب آخر فالمصلحة العراقية تقتضي أن لا يكون العراق ساحة للمواجهة والصراع وأن تتحول علاقاته مع الطرفين إلى علاقات دولة بدولة قائمة على المصالح والاتفاقات الرسمية وقد ازدادت أهمية هذا التحدي في عام 2026 مع التحولات الأمنية الإقليمية ومع مسار إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق الأمر الذي يفتح أمام بغداد فرصة لإعادة تعريف علاقتها الأمنية الدولية على أساس التعاون الثنائي وبناء القدرات العراقية، بالتوازي مع تأكيد على سيادة الدولة وفي المقابل فإن التطورات الأمنية الأخيرة أظهرت أن ملف الجماعات المسلحة وعلاقتها بالتنافس الإقليمي ما زال يمثل تحديا أمام قدرة الحكومة العراقية على إدارة المجال الأمني بصورة موحدة لتعزيز سلطة الدولة على جميع مظاهر السلاح المنفلت . وهنا ينبغي أن يكون المبدأ العراقي واضحا: العراق ليس طرفا في الصراع بين واشنطن وطهران وإنما العراق دولة ذات سيادة وتتعامل مع الكل وفق مبادئ القانون الدولية والمعاملة بالمثل واحترام دول الجوار وتحقيق المصالح الدولة العليا وفق القانون لحماية سيادتها من اي خطر اقليمي ودولي .

ثامنا: نحو عقيدة وطنية جديدة للأمن القومي

إن استعادة السيادة العراقية لا تتحقق بقرار سياسي منفرد ولا بإجراء أمني مؤقت وإنما عبر عملية تراكمية لإعادة بناء الدولة وهذا يحتاج إلى الانتقال من مفهوم “إدارة الأزمات” إلى مفهوم “إدارة المصالح الوطنية” ويفترض ذلك بناء عقيدة أمن قومي عراقية تستند إلى مجموعة من المبادئ:

وحدة القرار السيادي.

حصرية استخدام القوة ضمن الإطار الدستوري والقانوني.

استقلال القرار الأمني عن التجاذبات الحزبية.

رفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الدول الأخرى.

رفض استخدام العراق كساحة للصراعات الإقليمية والدولية.

بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية.

تطوير القدرات الدفاعية والأمنية الوطنية.

تعزيز الرقابة القانونية على المؤسسات الأمنية.

ربط الأمن القومي بالأمن الاقتصادي والمائي والطاقة والأمن السيبراني.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بحجم قواتها أو كمية أسلحتها وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه وبقدرتها على تحويل مواردها ومؤسساتها وعلاقاتها الخارجية إلى أدوات لخدمة المصلحة الوطنية.

إن استعادة السيادة العراقية ليست هدفا مستحيلا لكنها ليست مهمة سهلة أيضا فالعراق يمتلك اليوم مؤسسات أمنية وعسكرية وخبرة متراكمة في مواجهة الإرهاب كما يمتلك موقعا جيوسياسيا يمنحه أهمية كبيرة في البيئة الإقليمية والدولية. غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الإمكانات إلى قدرة دولة متكاملة فالسيادة لا تعني أن يبتعد العراق عن العالم ويعيش في عزلة وإنما أن يتعامل مع العالم من موقع الدولة صاحبة القرار ونفوذ كما أن حصر السلاح بيد الدولة على أهميته الدستورية، ينبغي أن يكون جزءا من مشروع أوسع لإعادة بناء منظومة الأمن القومي بحيث تصبح الدولة قادرة على حماية حدودها ومصالحها وإدارة علاقاتها الخارجية ومنع أي طرف داخلي أو خارجي من فرض أجندته على القرار العراقي اذ إن العراق لا يحتاج إلى الانحياز لمحور ضد محور بقدر ما يحتاج إلى بناء محور عراقي أساسه الدولة والمصلحة الوطنية العليا وعندما تصبح مؤسسات الدولة هي المرجع النهائي في القرار السياسي والأمني وعندما تكون العلاقات الخارجية محكومة بالمصلحة الوطنية وعندما تمتلك القوات المسلحة والأجهزة الأمنية القدرة على حماية البلاد دون ارتهان لمراكز قوة موازية عندها تنتقل السيادة العراقية من كونها مبدأ دستوريا وقانونيا إلى واقع سياسي وأمني ملموس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *