في لحظةٍ كان يُفترض أن تمثّل خطوة طبيعية ضمن مشروع إصلاح النظام المصرفي، واجه قرار الحكومة العراقية بتجميد بعض الأموال المرتبطة بتحويلات غير شفافة موجة اعتراض وتخوين غير مسبوقة.وجريمة توجب القصاص من مرتكبيها
يتم التعتيم الممنهج
لما يشير له الاقتصاديون سرا وفي الغرف المغلقة من ان حجم الضرر الذي ألحقته هذه التدفقات غير المنضبطة بالاقتصاد الوطني ساهمت مع السياسات الاقتصادية العشوائية الاخرى للوصول الي نقطة الانهيار فخرجت أصوات سياسية وإعلامية تتهم القرار بأنه “استهداف” و“تصفية حساب” و“خضوع لإملاءات خارجية”.
او بداية التطبيع الغير المعلن وهنا يظهر سؤال جوهري:
لماذا يتحول إجراء مالي تقني — واجب التطبيق في أي دولة طبيعية — إلى معركة هوية وصراع ولاء وفرصة للتشويش على ماهو وطني او انبطاحي فيتم تسييس كامل لملف مالي بحت؟
في العراق، كما في بعض دول المنطقة، لا تُناقش القرارات المالية بمعايير اقتصادية أو مصرفية، بل تُسحب مباشرة إلى ساحات الاصطفاف السياسي والطائفي.
وبالتالي:
- التدقيق المالي يُقدَّم باعتباره “استهدافاً لفصيل”.
- وتجميد الأموال يُفسَّر على أنه “ضرب للمقاومة”.
- وأي محاولة لتنظيف النظام المصرفي تُصوَّر كأنها خدمة لأطراف خارجية.
بهذه الطريقة يختفي جوهر القرار — وهو ضبط حركة الأموال — ويحلّ محله خطاب تعبوي لا علاقة له بالاقتصاد.
مستغلا بابشع صورة
ضعف الوعي بآثار النزيف المالي على حياة المواطن
الأضرار التي سببها تهريب العملة والتحويلات المظلّلة لا تظهر على شكل حدث صادم، بل على شكل تدهور تدريجي:
- ارتفاع سعر الدولار
- تضخّم خانق
- تآكل رواتب الموظفين
- صعوبة الاستيراد
- تشديد دولي على التحويلات العراقية
- تراجع ثقة البنوك العالمية بالنظام العراقي
هذه ليست عناوين سياسية، بل مؤشرات حياة يومية. ومع ذلك، فهم يضللون ولايريدون ادراك شريحة واسعة من الجمهور أن الجزء الأكبر من هذه المشكلات مرتبط مباشرةً بخروج العملة الصعبة خارج النظام الرسمي. ولهذا، عندما يصدر قرار يهدف إلى وقف النزيف، لا يعني هذا القرار الكثير لمن لم يربط المقدمات بالنتائج. والحقيقة المرة ان هذا الخطاب يخفي ضمنا
توحّد “المقاومة” بالامتيازات المالية”
وعن طريقه وبمرور الوقت تشكّل خطاب يمنح قداسة سياسية لأي نشاط مالي مرتبط بجهات مسلحة أو خارجية.
ووفق هذا الخطاب
- التدقيق يصبح “إهانة”.
- الرقابة تصبح “تجريماً”.
- والتنظيم يصبح “خيانة”.
هكذا يُدمج المال بالهوية، والامتياز المالي بالولاء، ويتحوّل الاقتصاد إلى ساحة معركة رمزية، لا إلى ميدان إصلاح مؤسسي. ومن الطبيعي جدا ان المصالح الاقتصادية المتضررة تدافع عن نفسها فتجميد الأموال لا يضر الجماعات الخارجية وحدها، بل يضرب أيضاً:
- شبكات صرافة
- شركات واجهة
- وسطاء تجاريين
- جهات سياسية تحصل على عمولات
- مصارف تعتمد على التحويلات غير النظيفة بوصفها مصدر ربح سريع
هذه الأطراف تملك صوتاً أعلى من صوت المواطن العادي، ولذلك تُنتج خطاباً حادّاً يصوّر القرار بأنه “كارثة قومية”، وكارثة اخلاقية بينما الحقيقة أبسط: إنه مجرد عودة إلى المعايير المصرفية الطبيعية. وبداية تأصيل مفهوم السيادة الاقتصادية التي طالما عاب العائبون فقدانها لكنهم خرسوا اليوم امام الخطاب الثوري فالسيادة الاقتصادية ليست شعاراً، بل قدرة الدولة على حماية نظامها المالي من:
- التهريب
- غسيل الأموال
- المضاربة
- التوظيف الخارجي غير الشرعي
ومفارقة العراق المؤلمة أن بعض من يرفعون شعار السيادة هم أنفسهم من يعترضون على إجراءات تهدف إلى منع تحويل الاقتصاد العراقي إلى ممر مالي لجهات لا تخضع لسلطته ولا لرقابته.
الخلاصة: من يدافع عن النزيف… ليس مدافعاً عن الوطن عندما يثور البعض ضد تجميد أموال غير شرعية، فذلك لا يعني أن القرار خاطئ، بل يعني أن:
- سياسة التشويش أقوى من الوعي الاقتصادي،
- وشبكات المصالح أعلى صوتاً من المؤسسات،
- والشعارات أيسر تداولاً من الحقائق،
- وأن النظام المالي العراقي كان لسنوات طويلة تحت ضغط قوى تستفيد من الفوضى ولا تريد أن تراها تُنظَّم. إن تجميد الأموال ليس خيانة. الخيانة الحقيقية هي أن يبقى العراق يدفع فاتورة نزيف مالي بدأ منذ عشرين عاماً ولا يزال يحرم المواطن من استقرار سعر عملته ومن ثقة العالم بمصارفه.


