الفجوة بين القانون والسياسة في العراق: ترشيح ترامب من قبل السوداني لجائزة نوبل

الفجوة بين القانون والسياسة في العراق: ترشيح ترامب من قبل السوداني لجائزة نوبل
يعالج النص أزمة العدالة والسياسة في العراق عبر أمثلة ساخرة تكشف التناقض بين القانون والواقع، وبين الجوائز والمعايير. ويخلص إلى أن الانهيار يبدأ عندما تتحول الأخطاء إلى قواعد، وتصبح العدالة ورقاً والسياسة تجميلاً، والشعوب قوة صامتة مثقلة بالأعباء....

في الأنظمة الطبيعية، تُبنى العدالة القضائية على ثلاثة أعمدة: الولاية – القدرة – قابلية التنفيذ. أما في الأنظمة التي تعاني من شراهة سياسية مفرطة، فيتم استبدالها بثلاثة أعمدة موازية: الضجيج – اللقطة الإعلامية – وتخدير الرأي العام. ولدينا في العراق مثال يُدرّس في أهم كليات القانون… لا بوصفه نموذجاً يُحتذى به، بل بوصفه نموذجاً لا يجوز الاقتراب منه دون بلع مسكنات عالية الجودة.

الدرس القضائي: مذكرة قبض تتجاوز المحيطات نظريا ولا تتجاوز الرصيف عمليا حين أصدر القاضي مذكرة قبض بحق ترامب، بدا المشهد وكأنه تمرين عملي في مادة «القضاء فوق المتاح» فالقرار من حيث الشكل مستوفي لشروط المشروعية:

– يوجد نص قانوني.

– يوجد فعل يُعدّ جريمة وفق الادعاء.

– توجد إرادة قضائية.

لكن ما لا يوجد هو قدرة واقعية على التنفيذ. ونحن نعلم في القانون الجنائي أن «العقوبة بلا قدرة تنفيذية هي توصية أخلاقية ليس إلا ولذلك، يمكن تدريس هذه المذكرة في محاضرات «فلسفة العدالة»، تحت باب:

(القرارات التي تُصدر لتهدئة الغضب العام وليس لتحقيق العدالة العامة). وتُرفق معها عادة بصورة لعجلتين في مركز شرطة السعدون المعني بالتنفيذ

إحداهما بلا إطار، كرمز لغياب القوة التنفيذية، والأخرى مخصّصة لجولات أمر المركز، كرمز لهيمنة البيروقراطية على الفاعلية.

إنه درسٌ عميق القاضي طبق النص، لكنه ترك الواقع يصرخ. وهنا تبرز مفارقة أكاديمية مهمة: هل العدالة «ما يجب أن يكون»؟ أم «ما يمكن تحقيقه»؟ في العراق، الجواب واضح: العدالة هي «ما يبدو جيداً على الورق»

الدرس السياسي: من فوضى المفاهيم إلى فوضى الجوائز العالمية

من الناحية الدولية، تُبنى معايير الجوائز الكبرى ـــ كجائزة نوبل للسلام ـــ على مبدأين:

معيار السلوك الفعلي و معيار الأثر الإنساني. لكن يبدو أن هذه المبادئ، حين مرت فوق أجواء العراق، أصابها دوار خفيف، فعادت إلينا بشكل مختلف: السلوك الفعلي لا يهم… المهم قوة العلاقات العامة. وعليه، فإن ترشيح ترامب للجائزة يُعدّ حالة فريدة تصلح للتدريس في مادة «السياسة المقارنة»، تحت عنوان: (التناقض بين معيار السلوك ومعيار التسويق )

ترشيحٌ من بلد يبحث منذ عشرين عاماً عن سلام دائم، ليمنح شهادة سلام لرجلٍ لم يتفق مع نفسه في تغريدة واحدة دون خصومة. هذه ليست مفارقة… إنها تجربة مخبرية على قدرة الجمهور على احتمال الصدمات السياسية دون أن يفقد توازنه.

وفي المحاضرات السياسية المتقدمة، يمكن تحليل هذا المشهد ضمن مفهوم: “Epistemic Inversion of Political Logic” أي «انقلاب المنطق السياسي»، حيث تصبح الرموز أكبر من الأفعال، والتصريحات أهم من النتائج. الخلاصة الأكاديمية: العدالة والسياسة… عندما تفقدان الجاذبية الأرضية، بمجموع هذه الأمثلة، يمكن استخلاص قاعدة تُدرَّس لطلبة القانون والعلوم السياسية: « الأنظمة لا تنهار حين تُخطئ، بل حين تتصالح مع الخطأ وتلبسه ربطة عنق».

فالعدالة التي تُصدر قراراً تعرف أنه لن يُنفذ، هي عدالة ورقية. والسياسة التي تمنح رموزها أوسمة لا تتطابق مع سلوكهم، هي سياسة تجميلية.

والشعوب التي تُجبَر على تصديق الأمرين… هي شعوب تتحمّل أكثر مما ينبغي لها. إن العراق لم يصل إلى هذه الحال من فراغ، بل نتيجة تراكم طويل من «التظليل السياسي» و«التقليص التنفيذي»، حيث يتحدث الجميع عن المبادئ… ويتجنب الجميع تطبيقها.

وهكذا يصبح المشهد المثالي لأي محاضر: قاضٍ يطبق العدالة دون أدوات، وسياسي يوزع الجوائز دون معايير، وشعب يضحك… كي لا يبكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *