كرومر… الحقل الذي فهِمَ السياسة أكثر مما ينبغي، فدفع الثمن

كرومر… الحقل الذي فهِمَ السياسة أكثر مما ينبغي، فدفع الثمن
يكشف النص أنّ كرومر لم يكن مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل محاولة لكسر تبعية الطاقة، فواجه استهدافًا يعكس هيمنة القرار الخارجي على ملف الغاز، وعجز الدولة عن حماية مواردها وتعزيز إنتاجها الوطني....

لم يكن كرومر مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل كان “خطأً استراتيجيًا” هدد منظومة توازنٍ هشٍّ ، منظومة قررت أن العراق بلدٌ لا ينتج ما يحتاجه… بل يستورد ما يحتاجه الآخرون أن يبيعوه له. الغاز المحلي… ضيف غير مرحّب به في وطنه، لستَ بحاجة إلى قراءة التقارير الطويلة، يكفي أن ترى الذعر الذي أصاب البعض حين بدأ الحديث عن تشغيل حقول الغاز العراقية.

فالغاز المحلي ليس مجرد غاز، إنه خطر جيوسياسي، مادة قابلة للاشتعال خارجيًا أكثر من قابلية اشتعالها داخليًا، ولذلك، كلّما حاول الغاز العراقي أن يمدّ رأسه فوق سطح الأرض، صفّق أحدهم على يده وقال له: “ارجع… هنا ليس مكانك.” وانطلقت الدرونات من السماء.

كرومر… حقلٌ حاول فكّ القيد عن أنبوب الاستيراد

المسألة ليست اقتصادية. هي مسألة ولاء طاقي. فالبلد اعتاد على الأنابيب القادمة من وراء الحدود، أنابيب تحكم إيقاع الكهرباء، وتحدد ساعات الظلام، وتقرر متى تشتغل الدولة… ومتى تستلقي قليلًا.

أي حقل عراقي يحاول أن يعيد التوازن يصبح متهمًا فوريًا بـ: “إضعاف العلاقات الأخوية” و“التدخل في شؤون الأنابيب الصديقة”.

سياسة الطاقة… كتابٌ يفتح من الظهر وليس من الأمام

كرومر كان يعرف سرًّا خطيرًا: إذا نجح هذا الحقل، سينخفض استيراد الغاز. وإذا انخفض الاستيراد، ستنخفض هيبة “الورقة الخارجية” التي تحرك نصف القرارات. وهذا ليس استنتاجًا سياسيًا… بل قاعدة ثابتة: كلما زاد الإنتاج المحلي، قلّ نفوذ الخارج. وكلما قلّ نفوذ الخارج… تنفس الداخل. لذلك، كان لابد أن يفهم كرومر أنه تجاوز حدوده، فاستُقبل بالعقاب المناسب: جرعة فوضى من السماء.

العراق… الدولة التي تُعاقِب مواردها

الدول عادةً تخاف على مواردها وتحميها بالقوانين، وتُرسل الجيوش لحراسة الآبار، وتبني منظومات أمنية لحماية الطاقة. أما نحن، فنعيش في بلدٍ إذا فكّر الغاز أن يخرج من جوف الأرض، تخرج السياسة من جوف الغيب وتسأله باستغراب: “على أي أساس؟!”

إنّ استهداف حقول الغاز يكشف هشاشة البنية السيادية التي يفترض أن تحمي القرارات الاقتصادية الوطنية. فكل اقتصادٍ لا يستطيع الدفاع عن مصادر طاقته يبقى اقتصادًا تابعًا مهما ضخّم خطاب استقلاله. وما لم تُبنَ منظومة ردع حقيقية، ستبقى مشاريع مثل كرومر مجرد محاولات يتيمة تكسرها الضغوط الإقليمية. وحين يختلط الأمن بالطاقة، تصبح الخيارات الاقتصادية رهائن مزاج الفاعلين الخارجيين.

كارثة كرومر… ليست قصفًا، بل قرارًا

ما جرى لم يكن حادثة، ولا رسالة، ولا خطأً عابرًا، بل كان إعلانًا واضحًا بأن ملف الغاز في العراق ليس قرارًا اقتصاديًا ولا قرارًا وطنيًا، بل قرارًا إقليميًا بامتياز. والبلد الذي تُدار طاقته من خارجه يستحيل أن يدير مستقبله داخله.

الخلاصة… بلا مساحيق

كرومر لم يُستهدف لأنه بئر غاز، بل لأنه تجرّأ على الاقتراب من المنطقة المقدسة التي لا يُسمح لأحد المساس بها: استمرارية الاستيراد. فمن يملك قرار “من أين يأتي الغاز؟” يملك قرار “كيف يعيش البلد؟”. وكرومر كان مجرد فاصل إعلاني صغير في فيلمٍ سياسي طويل اسمه: العراق… دولة تشتري ما تملك، وتخاف مما تنتجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *