في دول العالم، حين تتعرض للغرامة المرورية، تشعر – ولو قليلاً – أنك أنت المخطئ: تجاوزت إشارة، أسرعت، أوقفت السيارة في مكان ممنوع… لكن في العراق، الغرامة تُشعرك أنك مجرد فريسة تمشي على قدمين، وأن دورك في الحياة هو تمويل “موازنة الظل المرورية” التي لا يعرف أحد أين تذهب ولا كيف تعود.
بعد مئة عام على دخول السيارة إلى العراق، وألف مشكلة في شوارعنا، وخمسين حكومة تعاقبت وهي تعدنا بالتطوير… اكتشف فقهاء المرور فجأة أن أفضل طريقة لتحقيق السلامة المرورية ليست الطرق الحديثة، ولا الإشارات الإلكترونية، ولا الأرصفة النظيفة، بل نهش جيب المواطن كما تنهش الضواري قطعة لحم سقطت سهواً من قنّاصٍ مبتدئ.
في العالم تُرسل لك رسالة بأنك خالفت. تعرف متى وأين وكيف ولماذا. تُعطى فرصة للاستئناف. تُمهَل أسبوعين أو شهراً للدفع. لكن في العراق تكتشف بعد سنة أنك “غرامچي محترف” ارتكبت عشر مخالفات لم تكن تعلم بها. غرامات تُسجّل “بالغيب”.وتتضاعف خلال ثلاثة أيام، وكأنك قمت بجريمة دولية لا مخالفة سير.
في العالم المرور مهمته تنظيم السير وتقليل الحوادث. أما عندنا فالمهمة صارت جباية + مفاجآت + تعذيب نفسي.
لا شوارع… لا إنارة… لا تخطيط… لكن غرامات؟!
يحترم المواطن قانون المرور عندما يرى دولة تحترمه أولاً:
– شارع لا يشبه سطح القمر بالحفر والفوهات.
– خطوط مرسومة بعمر أطول من أسبوع.
– إشارة ضوئية تعمل… ولو نصف الوقت.
– طرق دولية لا تُفاجئك بحفرة قطرها متر، اسمها “المطب السيادي”.
لكن بدل كل هذا، يقال للمواطن: “لن نصلّح الشوارع… لكن سندفعك ثمن خرابها!” المواطن الذي تتكسر سيارته يومياً بسبب الطرق، ويغرق بالسيول، ويُدفَع إلى المشاة لأن الأرصفة محتلة… هو نفسه يُتّهم بأنه “لا يلتزم بقواعد المرور”، وكأننا نعيش في باريس وليس في بغداد.
دائرة المرور… من جهاز إرشادي إلى جهاز انتقامي
قبل سنوات، كان المرور جهة تهدف لسلامتك. اليوم صار جهازاً يبدو وكأنه يقول: “لا نريد أن نعلّمك… نريد أن نوجعك.” غرامات بلا إشعار. ومراجعات تحتاج نصف يوم. وازدحام من أجل صك ورقي كان يمكن أن يصل برسالة. وتطبيق إلكتروني يعمل كما تشاء الأقدار، ليس كما يتوقع الناس.
من يحاسب من؟ القانون يسمح للمرور أن يعاقب المواطن. لكن المواطن لا يستطيع محاسبة المرور على:
– الطرق التي قتلت آلاف السائقين.
– الإنارة المنعدمة على الطرق الخارجية.
– المطبات غير القانونية.
– التخطيط البدائي الذي لا يليق بدولة.
– الحفر التي تلتهم السيارات كما تلتهم الجاذبية النيازك.
من يحاسب من؟ من يُلزم من؟ من المخطئ فعلاً؟
الخلاصة الساخرة
المرور في العالم وسيلة لضبط الشوارع. لکن المرور في العراق وسيلة لضبط المواطن… من رقبته… وتعليقه على “عمود الغرامات”. في العالم الغرامة آخر الحلول. لکن في العراق: الغرامة أول الحلول… وغالباً الحل الوحيد… وأكثر شيء يتم تطويره وتحديثه واستحداثه. ولذلك، حين يقولون لك “غرامة للسلامة”، ابتسم… فأنت تعرف الحقيقة إنها ليست غرامة… إنها اشتراك شهري إجباري في نادي “تمويل فوضى المرور العراقية”.


