الحلول الاقتصادية للأزمة المالية التي يعيشها العراق (التشخيص والسيناريوهات المستقبلية)

الاقتصاد العراقي وأزمة الاعتماد على النفط في عام 2026
تكشف أزمة 2026 أن مشكلة الاقتصاد العراقي تتجاوز تراجع صادرات النفط إلى خلل أعمق في نموذج يعتمد على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق الجاري. يناقش المقال حجم العجز والديون والاحتياطيات، ويعرض ثلاثة سيناريوهات للإصلاح والتحول الاقتصادي...

المحور الأول: عندما يصبح النفط مهنةً وحيدة

هناك قاعدة اقتصادية بسيطة تقول إن الفرد أو المؤسسة أو الدولة التي تعتمد على مصدر دخل واحد ولا تطور مصادر بديلة، فإنها تتحول مع الوقت من حالة الاستقرار إلى حالة الهشاشة، وهذا تحديدًا ما كشفته الأزمة التي عاشها العراق بعد الاضطراب الحاد وإغلاق حركة التصدير عبر مضيق هرمز.

فالمشكلة لم تبدأ مع أزمة عام 2026، وإنما كشفت الأزمة عيبًا قديمًا في بنية الاقتصاد العراقي. فقد تعاملت الحكومات المتعاقبة مع النفط باعتباره موردًا دائمًا لتمويل الرواتب والدعم والخدمات والإنفاق العام، بدلًا من اعتباره رأس مال وطنيًا ينبغي تحويل جزء مهم منه إلى أصول إنتاجية ومصادر دخل مستدامة، من خلال مشاريع زراعية وصناعية وخدمية ولوجستية وتكنولوجية واسعة.

وقبل الأزمة الحالية، كان صندوق النقد الدولي يتوقع أن تبقى الإيرادات النفطية عند أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية خلال السنوات المقبلة، فيما لا تزال القاعدة الضريبية غير النفطية من بين الأضعف مقارنة بعدد من الاقتصادات النظيرة. كما حذر الصندوق من أن الأجور والتقاعد يستهلكان نسبة متزايدة من المالية العامة، مع توقع بلوغهما نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي تقريبًا.

وهذا يعني أن الأزمة الحالية ليست أزمة نفط فقط، وإنما أزمة نموذج اقتصادي كامل؛ إذ إن أي اضطراب في صادرات النفط ينتقل مباشرة إلى الخزينة، ومنها إلى السيولة والرواتب والاستثمار والخدمات.

المحور الثاني: ماذا تقول الأرقام الدقيقة في ظل الأزمة الحالية؟

تكشف بيانات تنفيذ الموازنة وحسابات الدولة حتى نهاية حزيران/يونيو 2026 صورة أكثر خطورة مما توحي به الأرقام المجردة.

فقد بلغ إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام نحو 35.95 تريليون دينار، منها قرابة 28.5 تريليون دينار إيرادات نفطية ونحو 7.4 تريليونات دينار إيرادات غير نفطية. وبذلك بقي النفط ممثلًا لنحو 79-80% من الإيرادات الفعلية حتى في ظل تراجع صادراته.

أما إجمالي الإنفاق الفعلي فقد بلغ نحو 57.19 تريليون دينار، منها قرابة 54.67 تريليون دينار إنفاقًا جاريًا، مقابل نحو 2.51 تريليون دينار فقط إنفاقًا استثماريًا.

وهذا يعني أن الإنفاق الجاري استحوذ على نحو 95.6% من مجموع الإنفاق، فيما لم تتجاوز حصة الاستثمار 4.4%. أما تعويضات الموظفين فبلغت وحدها قرابة 30.77 تريليون دينار، أي نحو 54% من مجمل الإنفاق العام، فيما بلغت نفقات الرعاية الاجتماعية نحو 13.86 تريليون دينار، وخدمة الدين قرابة 3.99 تريليونات دينار.

وبجمع الرواتب والرعاية الاجتماعية نجد أنهما استحوذتا على نحو 78% من الإنفاق الفعلي، وإذا أضيفت خدمة الدين ترتفع النسبة إلى قرابة 85%.

وهذه النسب تكشف جوهر المشكلة: معظم الإنفاق العراقي أصبح إنفاقًا ملزمًا وقليل المرونة، أي إن الحكومة لا تستطيع خفضه بسرعة عندما تنخفض الإيرادات.

أما الفجوة بين الإيرادات والنفقات فقد بلغت بنهاية حزيران قرابة 21.24 تريليون دينار خلال ستة أشهر فقط. والأخطر أن المتوسطات التراكمية تخفي حجم الصدمة الشهرية؛ ففي نهاية أيار بلغت الإيرادات المتراكمة نحو 33.75 تريليون دينار، ثم ارتفعت في حزيران بنحو 2.2 تريليون فقط، بينما ازداد الإنفاق خلال الشهر نفسه بنحو 10.49 تريليونات دينار.

بمعنى آخر، كانت إيرادات حزيران الجديدة تمول نحو 21% فقط من الزيادة الشهرية في الإنفاق. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: العجز لم يعد مجرد رقم حسابي في الموازنة، بل أصبح مشكلة سيولة وتمويل واستدامة مالية.

المحور الثالث: لماذا أصبح الوضع أكثر خطورة مما كان عليه؟

أظهر اضطراب الملاحة في مضيق هرمز مدى خطورة اعتماد العراق على منفذ تصدير رئيسي واحد.

فقبل الحرب كان العراق يصدر في المتوسط نحو 105 ملايين برميل شهريًا، أي ما يعادل قرابة 3.4 ملايين برميل يوميًا، وكان الجزء الأكبر من هذه الصادرات يخرج من موانئ البصرة عبر مضيق هرمز. لكن صادرات تموز/يوليو 2026 انخفضت إلى نحو 49 مليون برميل فقط، أي أقل من نصف المستويات المعتادة قبل الأزمة.

وفي إحدى أشد مراحل الأزمة، أشارت وزارة النفط إلى أن التصدير عبر المنفذ الجنوبي هبط إلى نحو 444 ألف برميل يوميًا، بينما كانت صادرات العراق قبل الحرب تتجاوز ثلاثة ملايين برميل يوميًا.

وهنا يظهر الخطأ الاستراتيجي بوضوح: العراق يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكنه ظل لعقود يعتمد بدرجة كبيرة على عنق زجاجة جغرافي واحد.

ولهذا بدأت وزارة النفط العمل على توسيع التصدير عبر جيهان التركي وبانياس السوري والعقبة الأردني، إلى جانب مشروع خط البصرة–حديثة الذي تخطط الوزارة لأن يوفر مستقبلًا طاقة نقل تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا باتجاه عدة منافذ.

وفي المقابل، فإن اللجوء المستمر إلى الاقتراض الداخلي ليس حلًا بلا كلفة. فقد ارتفع الدين العام الداخلي من نحو 90.5 تريليون دينار بنهاية 2025 إلى 95.7 تريليون دينار بنهاية نيسان 2026، ثم تجاوز وفق بيانات لاحقة 103 تريليونات دينار في نهاية أيار.

أما الاحتياطيات الأجنبية فهي خط الدفاع الثاني. ووفق تصريحات محافظ البنك المركزي المنقولة في آب 2026، انخفضت الاحتياطيات من نحو 109 مليارات دولار إلى قرابة 77.5 مليار دولار، أي بانخفاض نحو 31.5 مليار دولار أو ما يقارب 29%، مع الإشارة إلى استخدام جانب كبير من الموارد لتوفير السيولة المرتبطة بالرواتب والالتزامات الحكومية.

وهنا ينبغي أن نكون واضحين:
الاحتياطي النقدي للبنك المركزي ليس إيرادًا شهريًا للموازنة، ولا ينبغي التعامل معه وكأنه حساب جارٍ لتمويل الإنفاق الحكومي؛ فهو بالدرجة الأولى أداة لحماية سعر الصرف، وتمويل التجارة الخارجية، وتعزيز الثقة بالدينار ومواجهة الأزمات.

المحور الرابع: هل توجد حلول سريعة للمشكلة الاقتصادية؟

نعم، توجد حلول سريعة، لكنها ليست علاجًا جذريًا.

ومن الإجراءات المهمة التي اتخذتها الحكومة إعادة تنظيم العلاقة المالية بين وزارة النفط ووزارة المالية، عبر اعتماد نموذج اقتصادي جديد يتعلق بالنفط الخام المجهز للمصافي، بحيث يعتمد سعر شركة تسويق النفط سومو أو السعر المثبت في الموازنة أيهما أقل، مع خصم 30%، بالتوازي مع مراجعة الدعم المقدم لبعض القطاعات.

وقد أعلن رئيس الوزراء أن النموذج الجديد يمكن أن يحقق وفرة مالية تقدر بنحو 17.8 تريليون دينار خلال عام كامل.

وإذا تحققت هذه الوفرة فعلًا، فهي رقم مهم، يعادل تقريبًا نصف الإيرادات التي حصلت عليها الدولة خلال النصف الأول من 2026. لكنها رغم ذلك لا تمثل تحولًا اقتصاديًا كاملًا؛ لأنها في جوهرها تعيد تنظيم الموارد داخل الاقتصاد النفطي نفسه، ولا تنشئ مصدر دخل مستقلًا عن النفط.

المحور الخامس: السيناريوهات المستقبلية لحل المشكلة الاقتصادية

السيناريو الأول: الاستمرار في سياسة التمويل التقليدية

ويعني استمرار الاقتراض الداخلي واستخدام السيولة والاحتياطيات مع انتظار عودة صادرات النفط إلى مستوياتها الطبيعية.

هذا الخيار قد ينجح في تمويل الرواتب لعدة أشهر، لكنه عمليًا يعني شراء الوقت بالدين والاحتياطي.

والنتيجة ستكون تأجيل الأزمة لا حلها، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع استمرار ارتفاع الدين الداخلي وخدمة الدين. فقد بلغت خدمة الدين خلال النصف الأول وحده نحو 4 تريليونات دينار، وهو مبلغ سيزداد إذا أصبح الاقتراض هو الآلية الأساسية لسد الفجوة.

السيناريو الثاني: الإصلاح المالي العاجل

ويشمل وقف التوسع في الإنفاق غير الضروري، وإعادة ترتيب الأولويات، وتوسيع الجباية الإلكترونية، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي، ومراجعة الدعم غير الموجه، وإعادة هيكلة الشركات العامة الخاسرة.

وتكشف بيانات النصف الأول عن مساحة واسعة للإصلاح؛ إذ لم تبلغ الضرائب على الدخول والثروات سوى نحو 687 مليار دينار، فيما بلغت الضرائب السلعية ورسوم الإنتاج قرابة 1.77 تريليون دينار، والرسوم نحو 575 مليار دينار.

وهذا يوضح أن المشكلة ليست في فرض ضرائب مرتفعة على المواطن محدود الدخل، وإنما في توسيع القاعدة الضريبية، ومنع التهرب والتسرب، وأتمتة الجمارك والضرائب، وإدخال النشاط الاقتصادي غير الرسمي إلى النظام المالي الرسمي.

أما إعادة هيكلة الشركات الحكومية الخاسرة فهي ضرورة أصعب سياسيًا، لكنها أساسية اقتصاديًا. فالتجربة الصينية مثلًا لم تقم على إلغاء القطاع العام بالكامل، بل على إعادة هيكلته، وإغلاق أو دمج الوحدات غير الكفوءة، ومنح الشركات القابلة للاستمرار استقلالية إدارية ومالية أكبر.

السيناريو الثالث: التحول الاقتصادي الشامل

وهو السيناريو الذي ينبغي للدولة أن تتبناه خلال 5–10 سنوات، عبر تحويل النفط من مصدر لتمويل الاستهلاك إلى مصدر لتمويل الاستثمار.

ويجب أن تكون الأولوية للزراعة والصناعات الغذائية، والبتروكيمياويات والتكرير، والموانئ والنقل واللوجستيات، والسياحة، والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والاقتصاد الرقمي.

كما ينبغي إنشاء صندوق سيادي عراقي للتنمية والأجيال القادمة، تُحوَّل إليه نسبة ثابتة من الإيرادات النفطية في سنوات الوفرة، ويُمنع قانونًا استخدام أصوله لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية اليومية.

وهذا ليس مفهومًا غريبًا عن التاريخ الاقتصادي العراقي. ففي خمسينيات القرن الماضي، خُصص نحو 70% من إيرادات النفط لمجلس الإعمار لتمويل التنمية والمشاريع الرأسمالية، بما فيها مشاريع الري والسيطرة على الفيضانات والسدود والبنى التحتية. ويشير صندوق النقد الدولي في دراسته التاريخية للاستثمار العراقي إلى أن الحكومة خصصت هذه النسبة لمجلس الإعمار ابتداءً من مطلع الخمسينيات لتحويل الريع النفطي إلى استثمار رأسمالي.

كما أن العراق أسس لاحقًا الصندوق العراقي للتنمية الخارجية بموجب القانون رقم 77 لسنة 1974، برأسمال أولي بلغ 50 مليون دينار ثم ارتفع إلى 200 مليون دينار عام 1979، وهو دليل آخر على أن فكرة توظيف الفوائض النفطية بصورة مؤسساتية لها جذور عراقية سابقة.

المحور السادس: النتيجة الاقتصادية

الأزمة الحالية يجب ألا تُقرأ باعتبارها أزمة رواتب فقط، وإنما باعتبارها إنذارًا مبكرًا بأن النموذج المالي العراقي بلغ حدوده.

فالعراق اليوم لا يعاني من الفقر في الموارد، بل من ضعف تحويل الموارد إلى اقتصاد منتج.

الدولة التي تمتلك النفط والغاز والموانئ والأراضي الزراعية والحدود التجارية وموقعًا جغرافيًا يربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط لا يجوز أن يتحول سؤالها الاقتصادي كل شهر إلى:
هل تكفي الإيرادات لدفع الرواتب؟

المشكلة أن النفط أصبح يمول دورة استهلاك حكومية ضخمة؛ ففي النصف الأول من 2026 أنفقت الدولة نحو 57 تريليون دينار، لكن ما ذهب للاستثمار لم يتجاوز 2.5 تريليون دينار.
وهذه ربما تكون أهم معادلة في الأزمة كلها: العراق يستهلك معظم موارده الحالية ولا يبني بالقدر الكافي الموارد التي ستموله في المستقبل.

الخلاصة: القرار اليوم أرخص من قرار الغد

الحل الحقيقي لا يكمن في الاقتراض، ولا في استنزاف الاحتياطي، ولا في انتظار ارتفاع أسعار النفط؛ فهذه أدوات طوارئ مؤقتة.

أما الحل الاستراتيجي فيبدأ بثلاثة قرارات متزامنة: ضبط الإنفاق العام، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وتحويل جزء متزايد من الإيرادات النفطية إلى استثمارات منتجة تولد إيرادات ووظائف وصادرات جديدة.

إذا نجح العراق في ذلك، فإن أزمة 2026 يمكن أن تتحول من أخطر أزمة سيولة تعرض لها خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة تحول في تاريخ الاقتصاد العراقي الحديث.

أما إذا عاد العراق، بعد فتح مضيق هرمز وتعافي صادرات النفط، إلى النموذج السابق نفسه، فإن الدرس سيكون قد ضاع.

وعندئذ لن تكون الأزمة المقبلة أزمة سيولة فقط، وإنما قد تصبح أزمة قدرة الدولة على تمويل التزاماتها الأساسية.

فالقرار الاقتصادي الصعب اليوم ستكون كلفته أقل بكثير من القرار الاضطراري غدًا.

المصادر

وزارة المالية العراقية، تقارير تنفيذ الموازنة وحسابات الدولة لعام 2026؛ البنك المركزي العراقي، بيانات الدين العام والاحتياطيات؛ وكالة الأنباء العراقية، تصريحات وزارة النفط والحكومة المتعلقة بأزمة مضيق هرمز ومسارات التصدير البديلة؛ صندوق النقد الدولي، تقرير مشاورات المادة الرابعة للعراق لعام 2025؛ شركة تسويق النفط SOMO؛ المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، بيانات آب/أغسطس 2026؛ الصندوق العراقي للتنمية الخارجية، القانون رقم 77 لسنة 1974؛ صندوق النقد الدولي، دراسة سياسات الاستثمار في العراق 1950–1987.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *